توقيت القاهرة المحلي 16:15:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قصة مدينتين... غرباء من نعمة إلى نقمة!

  مصر اليوم -

قصة مدينتين غرباء من نعمة إلى نقمة

بقلم : د.محمد الرميحى

للروائي البريطاني شارلز ديكنز رواية بعنوان «قصة مدينتين»، وهي قصة عاطفية جميلة لما فيها من الإثارة والتشويق، كما أن بها الكثير من الرسائل، وخاصة لأحداث الثورة الفرنسية التي حدثت في أواخر القرن الثامن عشر (1780 - 1799)، نُشرت في عام 1859 بعد نصف قرن من الأحداث الدموية التي عصفت بأوروبا.

القصة تدور بين مدينتي لندن وباريس، وتتحدث عن الأسباب التي قادت إلى الثورة الفرنسية وصدى ذلك في بريطانيا، وتحكي قصة التوحش الذي اتصفت به الطبقة الأرستقراطية والصراع بين شرائحها المختلفة، وأيضاً كمية القمع الذي تفرضه تلك الطبقة على الطبقة العمالية والفلاحية.

ولأن الأدب الإنساني المؤثر لا يموت، فإن تذكرها اليوم بعد أكثر من قرن ونصف القرن من الزمن، هو شبهُ الحاضر مع الماضي. الأحداث التي قادت إلى الثورة، وهي التي وصفت بـ«أم الثورات» في العصر الحديث يرسمها ديكنز من خلال سرد كيف يمارَس القانون في تلك الأجواء الأرستقراطية وبانتقائية شديدة؟ فقد قام أحد الأرستقراطيين بدهس ابن فلاح وقتله، ورمى الأرستقراطي حفنة من المال للفلاح الذي لم يكن ليرضى بأي مال يعوض عن ابنه، ذلك الحدث في مخيلة ديكنز هو الذي قاد إلى الهجوم على السجن الرهيب، «الباستيل»، ومن ثم قيام الثورة التي طاولت طبقة كاملة من المجتمع الفرنسي وقتها وأثرت أيضاً في المجتمع الإنجليزي وشاع تأثيرها في أوروبا.

هل يكرر التاريخ نفسه؟ ربما ولو بطرق مختلفة، إلا أن الأساس يكاد يكون هو نفسه.

الأسبوع الماضي شهدت العاصمة الفرنسية باريس وعدد من المدن الفرنسية شكلاً من أشكال الفوضى بسبب قتل شرطي شاباً في مقتبل العمر من أصول مهاجرة، وهي الشرارة التي أطلقت الغضب بين شرائح مهمشة وغير معتنى بمطالبها كمواطنين فرنسيين، بل إن هناك يميناً متطرفاً لا يكلّ ولا يملّ عن تذكير تلك المجاميع من الناس بأنهم غرباء وغير مُرحّب بهم، وأن أسماء وألقاباً وديانات غير مرحب بها في العمل أو غيره، ولا تحصل على الخدمات التي يحصل عليها المواطن، وكان هناك تاريخ من الإنكار الذي مارسته الحكومات الفرنسية في نصف القرن الماضي، من دون اعتراف بأن تلك المجاميع البشرية قد قدّم آباؤهم خدمات للجمهورية، منها خوض الحروب عن الجمهورية الفرنسية وأيضاً المساهمة النشيطة في الصناعة والأعمال المختلفة، حيث شجّعت حكومات سابقة مجموعات بشرية من شمال أفريقيا ومن أفريقيا السوداء للقدوم للعمل في الأعمال الشاقة في فرنسا إبان الحرب العالمية الأولى وبعدها.

على الجانب الآخر، تواجه بريطانيا وعاصمتها لندن سلسلة من الإضرابات في السكة الحديد وفي الخدمات الصحية وفي التعليم وقطاعات أخرى، وتلك الإضرابات أصبح لها أشهر عدة، كما تواجه في الوقت نفسه تدفق المهاجرين غير القانونيين، بعد أن شجّعت في عقود سابقة هجرة اليد العاملة من أجل القيام بالأعمال الصعبة والتي لا يُقبل عليها وقتها المواطن البريطاني. وهي في شكل منها تماثل الموقف الفرنسي، أي في استقبال مهاجرين تحتاج إليهم في نهضة الصناعة، ثم قفل الباب بعدها عن أمثالهم، في الوقت الذي يشارك «ملوّنون» من أبناء الهجرة في قمة العمل الحكومي، سواء في باريس أو لندن! الملاحظة، أنه بمجرد انتشار الفوضى في باريس قامت لندن من خلال برلمانها بتغليظ العقوبات على التظاهر. كما يشارك في الإدارة الفرنسية عدد وازن من شخصيات ذات أصول مهاجرة، مثل نجاة بلقاسم، المتحدثة باسم الحكومة في عهد شيراك، ورشيدة داتي، وزيرة العدل في عهد ساركوزي، وأخيراً وزير الداخلية الحالي جيرالد موسى دار مانان.

المفاجأة في الدراسات الاجتماعية التي تمت في هذا الملف «دور المهاجرين القدامى في توجهات الإدارة في المجتمعات الغربية»، أن الميسورين منهم أكثر تشدداً بشكل عام ضد الهجرة الجديدة من السكان الأصليين، وهذا يساعد وينسجم مع التيار اليميني المتصاعد في دول أوروبا وهو معادٍ في مجمله «للقادمين الجدد» وليس من المستبعد إن قويت شوكته أن يوجّه نيرانه السياسية ضد المهاجرين القدماء، وربما النقطة الأخيرة هي التي جعلت من شباب مهاجرين من الجيل الثالث، يقومون بما قاموا به من أعمال تخريب وسرقة وحرق، بل ومحاولة قتل في باريس وضواحي المدن الأخرى.

وتشير الأرقام إلى أن 25 في المائة من القوة العاملة في الخدمات الصحية الحكومية في بريطانيا هي من أصول خارج الجزيرة البريطانية، وهي نسبة وازنة، إلا أن رئيس الوزراء (وهو من أصول مهاجرة) يعلن خطة وطنية للاستغناء عن تلك النسبة بإحلال «مواطنين» بدلاء عنهم وصرف مبالغ كبيرة من الخزانة للتعليم والتدريب من أجل تنفيذ تلك الخطة!

ما لاحظه شارلز ديكنز قبل أكثر من قرن ونصف القرن يمكن ملاحظته اليوم، وهو «إنكار» الواقع الذي يعيشه أغلبية الناس، في السابق كان هناك إنكار للفقر المتسع بين الفلاحين والعمال في الصناعات الناشئة حديثاً «قبل الماكينة وتطورها» وبين الأرستقراطية المتحكمة في المال والاقتصاد والسلطة، وهي اليوم من جديد «إنكار» لواقع أن المجتمع يتغير ويصبح أكثر تلوناً وأكثر تنوعاً واختلافاً وبعضه أكثر فقراً وبطالة وتهميشاً، ومن العبث فرض لون واحد أو ثقافة سائدة واحدة أو الغفلة عن المطالب!

الإشكالية التي تواجه هذه المجتمعات أن الآليات الديمقراطية المعمول بها في الدول لا تتسع لهضم التعدد والاختلاف، وبخاصة التعدد العرقي والثقافي، هي تخضع لما يتطلبه الجمهور، وهو في الغالب يطلب التخلص من تلك التعددية الملونة «لأنها تلوث» المجتمع النقي الذي أفرزته ثقافة استعلاء السكان الأصليين...

آخر الكلام: الافتتاح العذب لـ«قصة مدينتين» يقول ديكنز «كان أحسن الأزمان وأسوأ الأزمان، كان عصر الحكمة وعصر الحماقة، كان مهد الإيمان ومهد الجحود، ربيع الأمل وشتاء القنّوط...» هل يصف الرجل عصرنا؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قصة مدينتين غرباء من نعمة إلى نقمة قصة مدينتين غرباء من نعمة إلى نقمة



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt