توقيت القاهرة المحلي 19:25:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كارثة 2022!

  مصر اليوم -

كارثة 2022

بقلم : د.محمد الرميحى

ونحن نستقبل عام 2023 بأمل نودع عام 2022 ونحمل معه كارثة مستمرة هي ربما أكبر تأثيراً حتى من كارثة كوفيد-19 التي حلت بالبشرية. ومهما قلنا عن الكارثة الأخيرة، إلا أنها من أفعال الطبيعة في الغالب ولها مضادات اجتهدت البشرية في السعي الحثيث إلى استنباطها. أما الكارثة الأكبر فهي الحرب الروسية الأوكرانية، وهي حرب إرادات بشرية وقناعات صلبة لا يمكن بسرعة إيجاد ترياق لها.
 
هناك عدد من وجهات النظر لتفسير هذه الحرب التي تشارف بعد أسابيع على دخول سنتها الثانية، وكل تفسير له حججه وقناعاته، وبخاصة السياسية، إلا أن ما تتركه تلك الحرب هو تأثير عميق في العلاقات الدولية وفي مصادر الغذاء العالمي والطاقة والتجارة العالمية، ويتعثر العالم في خضم تضخم لا يمكن تجاهله مهما كان الموقف السياسي منها أو من مسبباتها.
 
لعل الشخص الأكثر تأثيراً في هذه الحرب (وكل الحروب التي شهدها العالم تكاد تكون شخصية وقناعات) هو فلاديمير بوتين الذي سيمر عليه في الحكم المباشر لروسيا الاتحادية نحو اثنين وعشرين عاماً. 
 
في آخر يوم من 1999 تحدث بوريس يلتسين الرجل المريض، وفي الغالب المخمور، وأول رئيس للاتحاد الروسي، بعد انفراط عقد الاتحاد السوفياتي، إلى الشعب في مساء متأخر، وقال إنه قرر التنازل عن السلطة واختيار مساعده الأقرب فلاديمير بوتين الذي قال إنه اختاره من بين عشرين شخصية، لأنه وجد فيه الخليفة الذي سيكمل المسار. 
 
المسار كان من عام 1990 حتى عام 1999. هو مسار باتجاه فك الاشتباك مع فلسفة الاتحاد السوفياتي (الاشتراكية) التي راكمت الكثير من السلبيات حتى وقتها إلى مسار الانفتاح وقوانين السوق. في تلك العشر سنوات تبلور الكثير من المشاريع الخاصة في كل النشاطات الاقتصادية والخدمية، بعدما انفصلت عن الاتحاد الروسي الكثير من القوميات التي كانت تدور في فلكه، ونظر إلى ذلك الانفصال في الغالب على أنه تحقيق مصير للشعوب.
 
ظهر رجال صناعة ورجال إعلام ورجال خدمات. كل هؤلاء أسسوا الكثير من المشاريع الاقتصادية، وعند تقاعد يلتسين تقرر إجراء انتخابات عامة لاختيار الرئيس القادم، وهكذا في آذار (مارس) من عام 2000 فاز فلاديمير بوتين على منافسيه بغالبية بسيطة بلغت نحو 52% من الأصوات وأصبح الرئيس. 
 
كان متوقعاً أن يكمل الرئيس الجديد طريق معلمه السابق يلتسين، ولكنه ما لبث أن فارق ذلك المسار شيئاً فشيئاً. كانت حرب الشيشان الأولى قد وضعت أوزارها موقتاً مع الكثير من الضحايا، واتضح أن الرجل الجديد له طموحات مختلفة، بل مفارقة للفلسفة التي أوصلته إلى الحكم. كان لديه حنين إلى الماضي (قد يكون مرضياً)، فقام بإعادة العلم الأحمر إلى الجيش الروسي وإعادة السلام الوطني السوفياتي، فأصبح للدولة الجديدة علمان أصلي وفرعي، ونشيدان وطنيان أصلي وفرعي!
 
المجموعة التي كانت حول الرجل وشكلت مكتب الدعوة له في فترة ما قبل الانتخابات وما بعدها واعتقدت بليبرالية روسية جديدة، سرعان ما انتهى معظمها إلى المعارضة، ولكنها لم تبق كذلك، فكثير من الرجال والنساء في تلك المجموعة قُتلوا بطريقة غامضة، حتى في مدن بعيدة مثل نيويورك وغيرها، وأمّم الرجل معظم النشاطات الخاصة، بما فيها الإعلام الذي كان مستقلاً وناقداً، كما حطم بقوة الدولة رجال المشاريع الكبيرة في النفط والتجارة الداخلية، وبعد فترة مراوحة بين رئيس وزراء ورئيس للدولة، استقر الامر على أن يكون الرئيس الدائم!
 
مشروع الرئيس الدائم يستعصي التحقيق، وهو إعادة الاتحاد السوفياتي الذي تربي في ظله إلى الوجود، ولكن من دون أيديولوجيا اشتراكية، هذه العقيدة شبه المستحيلة أخذته إلى استرجاع بعض الأراضي في جورجيا وأيضاً جزيرة القرم، وتوسع الأمر للتدخل العسكري في سوريا وتنظيم ميليشيا عسكرية (مجموعة فاغنر) للتدخل في بعض بلدان أفريقيا.
 
نظر الغرب إلى تلك التدخلات على أن الرجل يحب أن يكون أمام شعبه الرجل القوي، وأنها غير ضارة بالمصالح الغربية، حتى جاء موضوع أوكرانيا.
في الغالب كانت المراهنة في أوكرانيا أنها عملية عسكرية ستنتهي بسقوط العاصمة وتثبيت حكومة موالية لموسكو، كما حدث في الشيشان، وحتى الغرب اعتقد ذلك، إلا أن مقاومة الأوكرانيين قلبت المعادلة رأساً على عقب، ووجد الغرب أن مساعدته ستحقق ما كان يرجوه وهو منع فلاديمير بوتين من التمدد أكثر، وكلما طال الزمن في الحرب التي تقتل البشر وتهدم الحجر، استنزفت القوة الروسية وتصاعدت المعارضة للحرب في الداخل، ولكن ليس من دون ثمن على الغرب، فقد صرف الغرب حتى الآن أموالاً طائلة واحتمل الكثير من المصاعب الاقتصادية، وهي تتفاقم كما نشاهد في العواصم الغربية.
 
لذلك فإن حرب أوكرانيا يصح أن تكون كارثة 2022 وربما ما بعدها، لأن الرجل في الكرملين ما زال يحلم بأمجاد المرحلة السوفياتية ولا يتوفر ما توفر لها في السابق كي تعود، والغرب مصر على تلقينه الدرس، بأن العالم لا يمكن أن يتسامح أكثر مما كان في العشرين سنة الأخيرة مع طموح لا يبدو أن له هدفاً معلناً وواضحاً.
 
الهدف المعلن التخلص من النازيين في أوكرانيا، وترجمته التخلص من الحكومة القائمة بوضع حكومة جديدة موالية لموسكو، وذلك، بعد هذه الفترة من الحرب، يبدو شبه مستحيل، لأن معظم الشعب الأوكراني أبدى ولاءه للحكومة القائمة وقاوم.
 
آليات التفاعل المنتظرة هي من جزءين: داخلية في الاتحاد الروسي، وخارجية في رسم خريطة طريق للخروج من هذا المأزق، كلاهما يتطلب النزول من أعلى شجرة التمنيات إلى أرض الواقع، وهي في السياسة عملية ليست هينة، إلا أن صناعة الحرب هينة والبطولة في القدرة على صناعة السلام.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كارثة 2022 كارثة 2022



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt