توقيت القاهرة المحلي 19:30:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

القشطيني

  مصر اليوم -

القشطيني

بقلم : د.محمد الرميحى

رحم الله خالد القشطيني. ربما كان من الكتاب القلائل الذين أخذوا طريق النكتة العميقة والسياسية للتعبير عن الموقف العام، وبخاصة العربي المشحون بالتناقضات. الشخصية العراقية ليس من صفاتها الاهتمام بالطرافة أو الملحة، هي في معظم الشرائح جادة إلى حد القسوة. كان زملاء في بريطانيا من حزب "البعث" على مقاعد الدراسة في سبعينات القرن الماضي ينقلون لنا أنهم قاموا بتعذيب زملائهم بناءً على أوامر الحزب! أحد تعبيرات أحدهم التي لا أنساها، قوله: "كنت أعذب زملائي وأبكي! موقف تراجيدي بامتياز! الحزن أقرب إلى الشخصية العراقية من الهزل!".

ترك لنا عالم الاجتماع العراقي علي الوردي كماً كبيراً من تشريح الشخصية العراقية، وكان القشطيني - رحمه الله - ممثلاً صادقاً لتلك الشخصية المتناقضة، لكنه أخذ طريق النكتة، والنكتة السوداء على الخصوص، كي يعبر عما في داخله من احتقان.

كتب في الرواية وألّف الكتب الساخرة، تكفي الإشارة إلى عنوان كتابين لهما قيمة تاريخية الأول هو "السخرية السياسية العربية" والثاني "الظرف في بلد العبوس". كتابان يحملان ذلك الكم من الاشمئزاز في "دول القمع"!

إبان الاحتلال العراقي للكويت، وكنت في لندن، اتصل بي الرجل من أجل ترتيب اجتماع مع "المعارضة" العراقية، وكانت لندن تعج بهم فرادى وجماعات، ووجدت أن الفكرة قد تكون مفيدة من أجل شرح وجهة نظرنا لشريحة عراقية، بعد أيام اتصل الرجل وهو يضحك وقال لي: "يبدو أن الجماعة في الموضوع الكويتي أشرس موقفاً من صدام حسين!" وانتهت المحاولة. بعدها التقيته وأردت شرحاً لذلك الموقف، قال إنه بمجرد أن التقى بعض المعارضين وشرح فكرة الاجتماع أجمعوا على أن هذا الاجتماع لا يجوز لأن "الكويت جزء من العراق"! وأي اجتماع معهم هو خيانة وطنية!

في إحدى مقالاته في "الشرق الأوسط" التي لا أنساها روى أنه كان مولعاً بالذهاب إلى مناطق بيع الكتب والخرائط القديمة في لندن، فوجد خريطة قديمة لجنوب العراق رسمت إبان الوجود البريطاني هناك بعد الحرب العالمية الأولى، فاشترى نسخة منها وعلقها في برواز في مكتبه في الملحقية الثقافية العراقية، وكان يعمل فيها جزءاً من الوقت، دخل عليه الملحق الثقافي فاستحسن الخريطة وطلبها منه فوافق، علقها الأخير في مكتبة، وبعد أيام زار الأخير الملحق العسكري فاستحسن الخريطة ونقلها إلى رؤسائه في الجيش العراقي، وكانت الحرب العراقية الإيرانية على أشدها، وتخاض في المواقع نفسها التي رُسمت في الخريطة.

بعد أيام جاءت إخبارية من بغداد أن أرسلوا لنا عشر نسخ من تلك الخريطة الموثقة، طبعاً القشطيني هو الذي يجب أن يذهب لجلب تلك الكمية، وبعد سؤال البائع قال له لقد جاء شخص إيراني واشترى جميع النسخ.

العبرة واضحة من ذلك السرد (الذي نشر في جريدة الشرق الأوسط) كما رويت، أن جيشين يتحاربان في منطقة لا يملك أي منهما خريطة دقيقة للمكان الذي تدور فيه المعارك!!
ذلك السرد القشطيني الذي يخلط بين الحقيقة المرة والمزاح الأسود هو استهزاء كامل بالفريقين المتحاربين وقد سفكا دماء مئات الآلاف من الضحايا من الجانبين. في نظر القشطيني بروايته تلك، أنها مهزلة إنسانية تقوم بها مجموعة من الحمقى. هكذا كان القشطيني يختار طرائفه، فقد كانت مليئة بالاستهزاء المبطن.

كان رحمه الله في حياته مثالاً للعراقي التائه، قلبه هناك على ضفاف دجلة الذي ينقل منه حكاياته اليومية، وبين معيشته الصعبة في لندن الصاخبة، يتنقل في قطار الأنفاق حاملاً حقيبة من التي تحمل على الظهر، محتاراً في هذا التيه الذي وصل إليه، فلا هو قادر على أن يتكيف مع العيش الجديد، ولا هو قادر على أن يعود إلى وطنه، لأنه كما قال: يمكن أن تقتل في بغداد بزلة لسان وأنا "لساني فالت" لا أستطيع أن أتحكم فيه ولو على سبيل المزاح!

خالد القشطيني يمثل جيشاً من العرب الذين ذهبوا إلى المنافي بأقدامهم فراراً من صلف الحكام وبطشهم، ذلك البطش الذي لا يسببه عمل عدائي بل كلمة فلتت من لسان مواطن، كان هناك العراقي والليبي والفلسطيني والسوري وجالية كبيرة تدمع عيناها على وطنها الأم وهي بعيدة منه، ذلك في نظر القشطيني وأمثاله نوع من العقاب الرباني الذي لا راد له.

لم يستطع القشطيني أن يعود إلى بغداد التي احبها بعد زوال النظام، لان من خلف ذلك النظام كان اشد صلفا وقسوة، ولم يبرز البديل الحضاري الذي يرغب أمثال القشطيني في العيش فيه.

مات القشطيني، ولكن ما زال عشرات الآلاف من العرب في لندن وفي العواصم الغربية.
المفارقة أن من ينتقد بقسوة النظام العربي وهو في بلاده انسجاماً مع الجو العام، يجد نفسه بعد النفي الاختياري أن لا ملاذ له إلا تلك الأنظمة "الإمبريالية" التي كان ينتقدها. إنه عصر الحيرة العربية الأكبر وعصر الشتات الذي فارقه القشطيني من دون الكثير من الحزن!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

القشطيني القشطيني



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt