توقيت القاهرة المحلي 12:08:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الاستثمار في الخوف!

  مصر اليوم -

الاستثمار في الخوف

بقلم : د.محمد الرميحى

رويت مرة أنه في إحدى الندوات التي انعقدت في بيروت وسط الثمانينات، قابلت صديقاً قديماً من أهل فلسطين الداخل، وفي الاستراحة سألته سؤالاً (بدا لي في ذلك الوقت أنه منطقي!): هل تعلمتم شيئاً من الإسرائيليين؟ قال ضاحكاً: لقد تعلموا منا! بقيت تلك الإجابة في ذاكرتي! كنت مفترضاً خطأ أن الإسرائيليين، أو على الأقل نُخبهم، من نتاج الليبرالية الغربية، وبالتالي يحملون شيئاً من صفاتها السياسية على الأقل، وكان افتراضي أيضاً قائماً على أنها «الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط، وأن إسرائيل اعتمدت العلم واعتمدنا العاطفة؛ كل تلك الافتراضات بدأت أعيد النظر فيها من جديد.

تلك الافتراضات لم تكن قائمة على تحليل عقلي؛ فجيراننا الإسرائيليون هم بشر عاديون، إضافة إلى حملهم «خوفاً تاريخياً عميقاً من الاضطهاد» الذي تعرضوا له في المجتمعات الغربية، لذلك تقوم عامتهم ونخبهم باضطهاد الآخرين، جزعاً منهم، من دون أن يؤثر فيهم الشكل المؤسسي الذي اختاروه لدولتهم (الأحزاب والانتخابات)، ولا حتى القانون الدولي أو حتى الإنساني. الخوف كوّن عقدة دفينة في العقلية الإسرائيلية، إلى درجة أنهم استعاروا الكثير من مفردات التشدد التي سادت لدى العرب في فترة «الثورات»، كالقول إنه «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» التي قال بها أفخاي أدرعي المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لإحدى محطات التلفاز العربية بعد أيام من اشتباكات 7 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. وبيان ذلك الخوف أن معظم الإسرائيليين المدنيين لم يزوروا قَطّ الضفة الغربية المحتلة رغم احتلالها الطويل، كما أن انسحابهم من غزة دافعه نفس السبب؛ الخوف، بل أصبح الخوف رأس مالٍ استثمارياً في السياسة الإسرائيلية.

لم تكن استعارة التشدد الإسرائيلي قادمة من الشرق فقط، معظمه استعاره الإسرائيلي من الغرب. وفي النقاش الدائر حول غزة في وسائل الإعلام، يتحدث كثيرون من المتحدثين الإسرائيليين، أننا يجب أن «نمحو غزة، كما فعل البريطانيون في درسدن»! مدينة ألمانية من مجموعة من المدن، مُسحت من الأرض بمن فيها من بشر، بفعل الغارات البريطانية في الحرب العالمية الثانية، أو علينا أن نفعل كما فعلت أميركا في كل من نغازاكي وهيروشيما!

إذاً، العنف المفرط ليس له هوية أو شعب، ربما هو طبيعة ثانية في الإنسان، بخاصة إن شعر بأنه من جهة محاصر، ومن جهة أخرى يملك وسائل القوة، لكن هناك حقيقة أخرى؛ فإن لم تستطع بالعنف أن تتخلص نهائياً من عدوك، فإن ذلك العنف سوف يرتد عليك مع بقاء مناوئيك حولك؛ لذلك ظهرت نظرية «الترانسفير» (التهجير) كجزء من العقيدة السياسية الإسرائيلية، وما استهداف المستشفيات إلا جزء من تلك العقيدة.

أصبح القتل المباح بعد 7 أكتوبر، وبخاصة من الجانب الأقوى، أكبر كثيراً وأشد وطأة، ويصل إلى حد الإبادة البشرية، وقد استقصد الأبرياء قبل المقاتلين، من أجل إرسال رسالة «اطمئنان» للشعب الإسرائيلي، إلا أنه على الجانب الآخر وقع ربما في مصيدة من خَطط ونَفذ 7 أكتوبر؛ بمعنى أن ردات فعله غير المتوازنة، زادت من منسوب الراديكالية في المنطقة العربية من العراق إلى المغرب، مروراً بكل العواصم العربية وحتى الإسلامية، وأصبحنا كمثل عشية إعلان دولة إسرائيل عام 1948، حيث اندفعت وقتها مجموعات العسكر العرب إلى التسابق لاحتلال عواصمها، ومن خلال البيان الأول الذي يقول بتحرير فلسطين!

من الخطأ المنهجي مقارنة مخرجات ما حدث «عام 48» مع ما يحدث اليوم، وإن تشابه الحدثان في الظاهر؛ لأننا أمام عصر آخر، انفجرت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تعد «المجازر» كدير ياسين مثلاً يُسمع عنها ولا تُرى، لقد سُمعت أحداث 7 أكتوبر حتى في أميركا بقتل طفل ووالدته بنصل سكين، فقط لأنه عربي؛ لذلك فإن المتوقع ألا تكون ردات الفعل عسكرية هذه المرة، بل ستكون أصولية، فاقدة لأي تفسير منطقي!

الشرق الأوسط الجديد الذي يبشر به السيد نتنياهو، لن يكون أفضل من الشرق الأوسط القديم الذي ظهر بعد عام 1948، وسيادة العسكر والمزايدة السياسية، بل ربما أسوأ، وقتها استحوذ أنصاف المتعلمين على الحكم في الكثير من الدول العربية، وخلف ذلك الحكم، بدرجات متفاوتة، كل المآسي التي نعرف اليوم، وفي ثلاثة أرباع القرن تخلف التعليم، وتدهورت التنمية، وحارب العسكر حتى طواحين الهواء في حروب خاسرة، ثم حاربوا أبناء أوطانهم، وسُحقت الطبقة الوسطى المستنيرة، ووئدت تجارب المشاركة الشعبية على بساطتها، وماتت السياسة بموت حق الجهر بالرأي!

العنف الإسرائيلي الحاصل سوف يغذي ذلك التشدد الجديد (الأصولي) على الجانب العربي ممزوجاً بالجهل والخرافة، وسوف تتراجع كل مؤشرات التعافي التي تمت في بعض الأوطان. فهو بذلك يخدم المشروع «الذي من المفروض أن يكون عدوه نظرياً».

لا يوجد في الجو الحالي من التعصب الأعمى حجم وازن من الإسرائيليين الذين يمكن معهم إصلاح أو تعديل تلك المعادلة الرديئة التي مررنا أكثر من مرة بها؛ فالعنف سيد الموقف، ومن المؤكد أن ذلك المسار سوف يصب لصالح معسكر التشدد في المنطقة، بخاصة أن ذلك المعسكر بعيد عن دفع ضريبة الدم، فالدم الذي يسال هو معظمه عربي، وبعضه إسرائيلي!

الموقف الغربي أيضاً يفوته التعرف إلى أعمق إشكالية في هذه المعضلة التاريخية؛ فموقفه المتحيز يزيد من سرعة الانزياح السريع للجماهير في المنطقة إلى معاداته، بسبب سياساته قصيرة النظر، وربما الانتهازية، والمترددة في اجتراح حل معقول للقضية، والذهاب في الغالب إلى الحلول المؤقتة، فإن لم تخرج أصوات عالية وعاقلة في الغرب للمطالبة بحل الدولتين المتفق عليه دولياً، ولجم شهية اليمين الإسرائيلي للحكم والتحكم؛ فإن انزلاق الإقليم، رضي البعض أو لم يرضَ، إلى حضن التشدد القائم على الخرافة والمؤدي إلى الجهل والفاقة والقمع، لا محالة.

آخر الكلام: تتدخل الدول الكبيرة والمتوسطة في الصراع الدائر، معظمها «ليس حباً في ليلى...».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاستثمار في الخوف الاستثمار في الخوف



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt