توقيت القاهرة المحلي 19:28:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السّعودية والقوّة النّاعمة

  مصر اليوم -

السّعودية والقوّة النّاعمة

بقلم : د.محمد الرميحى

شدتني في رمضان قراءة كتاب "السعودية المتغيرة" للمؤلف شون فولي من ترجمة نهى عبدالله العويضي ومنشورات (دار آداب للنشر، الرياض 2022). 
 
الكتاب لا يتحدث عن المملكة العربية السعودية ونهضتها الاقتصادية، ولا عن النهضة الاجتماعية، ولا الخطط الكبرى التي تنفذ اليوم في مجالات شتى. الكتاب المكوّن ممّا يقارب 480 صفحة من القطع المتوسط، يتحدث عن النهضة الثقافية في المملكة، وكوني من الرأي القائل بأن الثقافة هي حجر الزاوية في نهضة المجتمعات وقائدة التغيير، قرأت الكتاب بشغف. المؤلف ليس أكاديمياً، ولكنه عاشق للفنون وممارس لها، وقد كتب ذلك الكتاب بعد جولة له في المملكة العربية السعودية اطلع فيها على نهضتها الفنية، والترجمة السلسة للكتاب أغرت بقراءته.
 
الفنون عامةً هي قائدة التغيير، فالمسرح يشكل الرأي العام، والفنون التشكيلية ترقّي ذائقة الجمهور، والموسيقى تجعل الإنسان مرهف الإحساس ومقبلاً على الحياة، وقد قيل إن مسرحية واحدة يُصرف عليها بسخاء، خير من شراء دبابة للحرب! 
 
من قراءة سابقة أن الرئيس جمال عبد الناصر بعد نكسة حزيران (يونيو) 1967 أوعز إلى أهل الفن والمسرح بالطواف في المدن المصرية من أجل إعادة الثقة بالدولة، بعد تلك الهزيمة قامت الفنون بأنواعها بشد عضل الدولة وقتها لما لها من تأثير على الجمهور. 
 
ما أعجبني في الكتاب أنه دخل على موضوعه من زاوية ذكية جداً، فقال إنه "في نيسان/ أبريل 2020 التقى وفد كبير من مسؤولين أجانب ولي العهد محمد بن سلمان ومجموعة من المسؤولين السعوديين في الرياض، كان الاجتماع الذي عقد في غرفة رسمية، شبيهاً بالاجتماعات الأخرى، ولكن بعد ظهور صور الاجتماع على الناس لاحظ المتابعون أحد التفاصيل المهمة، إذ اختفت الصور الرسمية في الخلفية من الصورة، وظهرت لوحة بارزة للفنانة التشكيلية السعودية لؤلؤة الحمود، معلقة على أحد جدران الغرفة، وقريبة من مكان جلوس ولي العهد". 
 
هذا المشهد الذي يدخل به الكتاب لافت، إذ علق الكاتب بأن ظهور تلك اللوحة لفنانة سعودية عبر عنه المتابعون في وسائل التواصل الاجتماعي بـ"الدهشة والفخر"، وكان مدخلاً للفت النظر إلى أن محمد بن سلمان، كما صرح وزير الإعلام لاحقاً، كان قد وجه منذ عام 2013 بأن تكون الأعمال الفنية التشكيلية في كل مقاره الرسمية موضوعة بأيد سعودية، فكانت الرافعة التي دفعت المسيرة الثقافية الزاهرة إلى الأمام.
 
الالتفات إلى القوة الناعمة في المملكة العربية السعودية وبهذا الزخم، بعد سنوات من القيل والقال، تحت غطاء التشدد، يلفت النظر إلى وعي القيادة وإصرارها على بعث تلك القوة الناعمة، سواء في المسرح أم المسلسلات التلفزيونية أم أشكال الثقافة المختلفة من نشر الكتب والاحتفاء بالقراءة، واليقين بأنها هي التي تضع أجندة المجتمع، وترتقي بالذوق العام وتكون قوة مضافة للدولة وللاقتصاد معاً، والالتفات إليها من القيادة يعني وضع أجندة مختلفة وحضارية للمجتمع في ما يعرف بـ Game Changing الذي أخذت به الدولة السعودية منذ سنوات، بشجاعة وتصميم.
 
هذا الوعي بتغيير شروط اللعبة، إن صح التعبير، هو خلف ذلك التوجيه الحضاري إلى كل قطاعات الدولة السعودية وإلى كل الهيئات الحكومية والوزارات بشراء الأعمال الفنية المنفذة بأيدٍ سعودية كما يؤكد الكاتب. 
 
الثقافة بنشاطاتها المختلفة هي صناعة مدرة للدخل أيضاً، تكفي الإشارة إلى أن الدخل الأعظم لبلد مثل الولايات المتحدة ليس بيع السلاح، ولا الصناعات المعتمدة على الحديد والصلب، بل الأعظم هو تصدير البرامج المعتمدة على العقول، كمثل السينما ومنتجات العقول الأخرى المختلفة! 
 
الأفلام والموسيقى والشعر والأدب والأوبرا وعروض المسرح ومسلسلات التلفزيون هي الأسرع في تشكيل وعي المواطن والأكثر رسوخاً، كما أنها مدرة اقتصادياً إن جوّدت وأتقن تنفيذها، ليس هناك مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر تخبو فيه الثقافة بتنوعها، فهي صنو للنهضة، وطريق للتقدم الحضاري. 
 
يأتي الكتاب على أسماء مجموعة كبيرة من الفنانين السعوديين في كل مجالات الإبداع، كثير منهم لم يُعرف في السابق إلا في حدود مجاله الجغرافي، أما هذا الكتاب فيستعرض أعمال هؤلاء الفنانين، قديماً وحديثاً، وبعضهم وصل إلى العالمية في وقت قصير، فيضعهم وأعمالهم أمام القارئ بشكل موضوعي واحترافي، مع نقد موضوعي ونظرة تاريخية.
 
يشير الكاتب إلى انتشار المراكز الرسمية والخاصة لتدريب السعوديين في معظم المدن السعودية على مجمل الفنون التي تقوم الدولة برعاية بعضها، والتحول من فنون القول إلى فنون الأداء، كما يقوم القطاع الخاص برفد هذا التوجه، فنحن أمام نقلة نوعية بعد فترة زمنية كان ازدراء الفنون هو الشائع فيها لدى المتزمتين، وكانوا يُسلعون هذا الازدراء بمفردات من النصوص مجتزأة من سياقها قيدت حريات الناس وساعدت على ضمور النشاط الثقافي وأدخلت المجتمع في سبات.
 
يسرد الكتاب عدداً كبيراً من الأمثلة والأشخاص والتجارب، حتى تكاد كقارئ تعتقد أنك أمام شكل من أشكال "المعجزة" بعد التعرف إلى مجمل نشاط النساء والرجال القائمين على تلك النشاطات الثقافية، وقد كيفت أعمالهم بطريقة ذكية، وربما مذهلة، وقامت بتعبيد الطريق للإبداع في مجالات الثقافة المختلفة، إذ انتشرت أعمالهم بين القارات وعلى منصات عالمية للإبداع الثقافي.
 
أي متابع للنهضة الثقافية المعاصرة في المملكة لا يستطيع الاستغناء عن قراءة هذا الكتاب الذي بذل كاتبه جهداً مشكوراً وكذلك مترجمته، إلا أن الفكرة المركزية هي إيمان القيادة بدور الثقافة في المجتمع من الناحية الجمالية والذوقية والاقتصادية، وأنها قيمة مضافة وقوة ناعمة، هو ما يشكل جزءاً من صورة السعودية المتغيرة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السّعودية والقوّة النّاعمة السّعودية والقوّة النّاعمة



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt