توقيت القاهرة المحلي 11:04:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الغرب يفقد بوصلته!!

  مصر اليوم -

الغرب يفقد بوصلته

بقلم : د.محمد الرميحى

في الكثير من دول الغرب الكبيرة دعوة إلى انتخابات مفاجئة، على الأقل في فرنسا وبريطانيا الشهر المقبل، وهناك انتخابات آتية في الولايات المتحدة في الخريف. على الرغم من الاختلافات النسبية في الظروف المصاحبة لكل تلك الانتخابات على حدة، فإن توجّهها في الغالب إلى "مغازلة العنصرية والشعبوية"، وهو الصوت السائد والأعلى في الحملات الانتخابية.

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى انتخابات سريعة في فرنسا، بعد ظهور نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي. وقد فُهم من تلك النتيجة أن اليمين الفرنسي أخذ شريحة كبيرة من الأعضاء، وكان أصلاً قد فَقَد الكثير من أعضاء حزبه في الانتخابات الماضية في الجمعية الوطنية. البعض يرى أن الدعوة للانتخابات بهذه السرعة هي مغامرة قد تنتج منها أغلبية من اليمين تحكم فرنسا، من ثم يتعذّر التعايش بين مؤسستي رئاسة الجمهورية والجمعية الوطنية، فتدخل فرنسا في أزمة مستحكمة، وقد يؤثر ذلك في اقتصادها وفي علاقاتها الدولية.

ودعا ريتشي سوناك، رئيس وزراء بريطانيا، إلى انتخابات عامة مفاجئة أيضاً، وصفها البعض بأنها مغامرة بعد حكم حزب المحافظين الذي يرأسه امتد أربعة عشر عاماً، حيث شهد الحزب صعوداً وتراجعاً سريعاً، وخلافاً عميقاً داخل صفوفه. إلّا أن الاحتمال بعد الانتخابات المقبلة هو أن تتغير الهيكلية السياسية البريطانية من ثنائية (محافظون\عمال) إلى تراجع حزب المحافظين إلى الدرجة الثالثة، ويسبقه، كما هو متوقع، حزب يميني متعصب، هو حزب الإصلاح بقيادة نايجل فاراج، وهو شخص يحمل الكثير من العنصرية ضدّ الآخر. فيصبح هو حزب المعارضة الرئيسي!

هذه سابقة لم يحدث مثلها إلّا قبل قرن من الزمان، عندما حلّ حزب العمال الفتي وقتها إبان التحول الصناعي، بدلاً من حزب الأحرار الذي كان يشكّل في السابق ثنائية مع المحافظين!

في الولايات المتحدة، الاحتمال القائم هو أن يفوز دونالد ترامب بالانتخابات في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، على الرغم من كل ما اقترفه من تعدّيات خارج القانون، إلى حدّ إدانته في محكمة فدرالية، لأنه يخاطب الشعور القومي الانعزالي في أميركا!

ماذا يعني كل ما تقدّم؟ جميع زعماء اليمين الأوروبي يرفعون شعارات "لنجعل فرنسا أو بريطانيا أو أميركا عظيمة"، ومن يدرس تاريخ صعود الحزب النازي في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، والذي تسبّب بكوارث للعالم، يعرف أن شعار "لنجعل ألمانيا عظيمة"، هو شعار أدولف هتلر والحزب النازي بعد الهزيمة في الحرب العالمية الأولى. وقتها، كانت ألمانيا في أسوأ حال اقتصادي حتى أصبحت العملة لا تساوي (ورق التواليت)، وكان لا بدّ من كبش فداء يُصبّ عليه كل اللوم في هزيمة ألمانيا ووضعها الاقتصادي المتردي، فكان اليهود والغجر وباقي الشعوب غير الآرية، وباقي القصة معروف!

مارين لوبّن ونايجل فاراج هما على التوالي زعيما اليمين الفرنسي والبريطاني، يصبّان غضبهما على المهاجرين ويقولان إنهم السبب في تردّي البلاد واقتصادها، وليس لهم - أي المهاجرون - علاقة بقيم الجمهورية في فرنسا أو القيم البريطانية. في الولايات المتحدة أيضاً، يرى السيد ترامب أن القضية التي تعطّل أن تكون أميركا عظيمة هي قضية المهاجرين، إلى درجة أنه وهو رئيس، منع مواطني بعض الدول من دخول أميركا، وبينها دول إسلامية.

المهاجرون إلى أوروبا شريحتان كبيرتان: الأولى هي الشريحة البيضاء مثل المهاجرين أو اللاجئين من أوكرانيا، والشريحة الداكنة وخصوصاً المسلمة. يرى فاراج علناً أن المسلمين يشكّلون "غزواً" لبريطانيا، مثل غزو البرابرة أوروبا في القرون الوسطى!

إذا أضفنا إلى كل ما تقدّم موجة اليمين المتنامية في عدد من الدول الأوروبية، وحتى ألمانيا التي كانت منذ سنوات قليلة ترحّب بالمهاجرين ورفعت جدار العزلة، فنحن أمام ظاهرة، ليست رفضاً للمهاجرين فحسب، ولكن ظاهرة مركّبة، منها الرفض للهجرة، ومنها لوم الآخر على التراجع الاقتصادي الحاصل، ومنها التوجّه إلى العزلة الذي قد يسبّب خروج بعض دول أوروبا من التجمع الأوروبي، إلّا أنها بمجموعها تأخذ الجمهور إلى مكان آخر، غير الأسباب الحقيقية للتراجع!!

أسباب تراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا هي في مكان آخر، منها الحرب في أوكرانيا وحرمان أوروبا من موارد روسية كالغاز والنفط رخيصة نسبياً، والحروب الأصغر حول العالم كحرب غزة وتداعياتها، ومنها السياسات قصيرة النظر التي تمّ اتخاذها في السنوات الأخيرة التي جعلت من الشعوب الأوروبية تعيش على منتجات رخيصة من الصين، والتي سبّبت الكثير من الخلل في هيكلة الاقتصاد الإنتاجي الأوروبي، بعد اعتماد طويل على موارد المجتمعات التي استعمرت فترة طويلة.

ما يعني العرب من هذا التوجّه هو الالتفات إلى الأوضاع الاقتصادية، والعمل الجاد على خلق الثروة المحلية والإقليمية من أجل تخفيف حدّة الفقر. وأول خطواتها العمل على حل النزاعات، وطلاق الأيديولوجيات، والتي هي الدافع الأساسي لهجرة كثيرين في دفعات إلى الخارج، ووجهتهم في الغالب أوروبا، وهو دليل على فشل الدولة الوطنية التي نرى مظاهره في كل مكان حولنا. وثاني الخطوات الأخرى متلازمة كمثل الاستثمار في رأس المال البشري، وخاصة تجويد التعليم الذي تدهور في الكثير من الدول العربية، والانتقال من الصراخ الأيديولوجي إلى التنمية الاقتصادية.

على المستوى العالمي، يمكن للمتابع أن يفترض بحذر أن العالم، بسبب الأزمات الاقتصادية، وخاصة في أوروبا، يتوجّه إلى توسيع الحروب، حيث يرى بعض المنظّرين أنها المخرج من الأزمات، حيث تشغل ماكينة الصناعة الحربية. فلن تكون الحرب العالمية الثانية هي آخر الحروب الكونية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الغرب يفقد بوصلته الغرب يفقد بوصلته



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt