توقيت القاهرة المحلي 08:23:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غربال التاريخ المتحرك

  مصر اليوم -

غربال التاريخ المتحرك

بقلم : عبد الرحمن شلقم

في الجدارية الشهيرة «مدرسة أثينا» لرسام عصر النهضة الإيطالي رافائيل، جمع الرسام المفكرين الذين أثَّروا في الغرب، وبينهم أفلاطون وأرسطو وسقراط وأبيقور ومايكل أنجيلو. يتوسطهم الفيلسوف العربي المسلم الأندلسي ابن رشد، المعروف باسمه اللاتيني – أفيروس – الذي ساهم بقوة في تكوين العقل الأوروبي النهضوي. تمت ترجمة فلسفة ابن رشد من العربية إلى اللاتينية، ونالت اهتمام الفلاسفة والمفكرين والدارسين الأوروبيين. نقل ابن رشد فلسفة المعلم الأول أرسطو، إلى اللغة العربية وفسرها، ونقلها الإيطاليون عنه إلى اللاتينية، في حين قام الفقهاء المسلمون الأندلسيون، وخدم السلطان، بتشكيل جبهة واسعة وعنيفة معادية له، ووجهوا له عشرات التهم، فغضب عليه السلطان المنصور الموحدي، ونفاه إلى اليُسَانة بمنطقة قرطبة وحُرقت كتبه، بحجة مخالفة ما هو معلوم من الدين بالضرورة. كان ابن رشد فقيهاً وقاضياً وفيلسوفاً. استوعب ابن رشد فلسفة أرسطو المعقدة وفسرها، واهتم بها الأوروبيون، وساهم فكره في النهضة الأوروبية، التي فتحت أبواب النهضة والتقدم. آمن بتكامل العقل والشريعة الإسلامية وألفَّ كتاب «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال». قال إن من خلق الشريعة، هو الذي خلق العقل، والهدف هو سعادة الإنسان، ويجب أن يُقدم العقل على النقل. ومن أقواله: كل أمة لها نبيّها، وفلاسفة الإسكندرية تحولوا إلى المسيحية عند ظهورها، كي يتوافقوا مع الجمهور ومعتقدات الأمة، وهذا ما حدث في سوريا والعراق، عند ظهور الإسلام ووصوله إلى أوطانهم.

ما كان لابن رشد في دنيا العرب، وما كان له في أوروبا، لا يغادران ما نعيشه اليوم، ونأمل في ألا يستمر قروناً. جدارية «مدرسة أثينا» الخالدة، هي الشاهد الحي على طول المسافة، بين عبقرية العقل، ووباء الجهل. كم من ابن رشد قدح عقله في منطقتنا، فكان مصيره التكفير والنفي أو القتل أو الهروب، حيث أضاء توهج عقله في أرض بعيدة.

ماذا يعني لنا اليوم، هذا الفيلسوف العربي المسلم، الذي ساهم في إقلاع العقل الأوروبي نحو النهضة، وما حققته بعد ذلك من رقي لم يتوقف؟ هو درس حي يجب أن نتخذ منه عبرة تحرك ما في الرؤوس. المفكر الدكتور مراد وهبة، وهب عمره يكتب ويتحدث في بلاد العرب وخارجها، عن الفيلسوف ابن رشد. أسس المفكر وهبة جمعيات عالمية لدراسة فلسفة ابن رشد، ودعا إلى تضمينها في المناهج الدراسية العربية. لم يهدف المفكر وهبة، إلى تعليم فلسفة ابن رشد للجيل العربي الحديث فحسب، بل قصد أيضاً إلى أخذ العبرة من استضاءة الأوروبيين بفلسفة ابن رشد، واضطهاد المسلمين له ونفيه وحرق كتبه. إلى اليوم نكرر ما كان منذ مئات السنين. محنة ابن رشد تعيش بشهيقها وزفيرها فينا.

محطات كثيرة في الفكر العربي الإسلامي، أشعلت ومضات فكرية منيرة، لكنها خُنقت برياح الظلام الموروث، وغشَّى رماد الفقه العقول، وران على الحروف، وظل المنقول المتآكل هو الحبل الممسك بالرؤوس. يصدق عليه قول طرفة بن العبد:

لكالطِوَلِ المُرخَى وثِنْيَاهُ باليدِ.

أبو حامد الغزالي طاف في فجاج الفكر والفلسفة والدين والتاريخ، لكن حبل الفقه كان يشده إلى رعشات التضارب، ليتدحرج في متاهات التناقض.

الغزالي هو القائل: «من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في متاهات العمى». وهناك من قال إن كبار الفلاسفة تأثروا بأبي حامد الغزالي، مثل ديكارت ونيكولا مالبرانش، وديفيد هيوم وإيمانويل كانت، وعدَّه البعض مؤسس مدرسة الشك الفلسفي. عارض المتصوفة المبالغين الذين قالوا بالحلول والمعجزات، وردَّ على الباطنية والقرامطة والإسماعيلية والباطنية.

ألَّف الكثير من الكتب، في مواضيع مختلفة، أهمها «المنقذ من الظلال»، و«إحياء علوم الدين»، و«قواعد المنهج». امتلك أبو حامد الغزالي قدرات فكرية وكتابية، ودخل إلى دائرة الفلسفة باقتدار، لكنه في الوقت ذاته حمل عصاه، وهوى بها على الفلسفة في كتابه «تهافت الفلاسفة»، في معركة هدفها هدم الفلسفة، ودحر الفلاسفة وفي مقدمتهم الفيلسوف الفارابي، ومن معه من الفلاسفة المشّائين، متسلحاً بالقول، «إن الفلسفة دون العقيدة عاجزة عن الوصول إلى الحقيقة». في الواقع كان أبو حامد الغزالي فيلسوفاً، عندما هاجم الفلسفة والفلاسفة. وكان منهجه في ذلك فلسفياً. وعلق البعض على ذلك بالقول: «إن الغزالي ابتلع الفلسفة ولم يستطع أن يتقيأ ما ابتلع».

ردَّ ابن رشد على كتاب الغزالي بكتاب «تهافت التهافت». تناول فيه الأسس التي أقام عليها الغزالي مرتكزات نقده للفلسفة والفلاسفة، متسلحاً بما أخذه عن معلمه أرسطو وغيره من الفلاسفة الإغريق. سواء فيما يتعلق بالزمان والمكان والمصير والإنسان، أو عن النسبي والمطلق والكون والطبيعة وغيرها.

كان لأوروبا، جداريتها التاريخية الخالدة الباقية، وهي في الحقيقة الرمز والمعنى الشاهد على رافعة العقل الإنساني التي حققت النهوض الأوروبي الكبير. هناك كان وما زال أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد العربي الأندلسي، الذي قذفه الجهل المحنط إلى دنيا أقلعت نحو العصور الجديدة، فكان أيقونة جدارية العبقرية، التي ألقى عليها أبو حامد الغزالي ومن لفَّ لفّه عباءة ظلام التهافت. هناك من قال إن الغزالي ساهم بقوة، في وهن الحضارة العربية الإسلامية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غربال التاريخ المتحرك غربال التاريخ المتحرك



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt