توقيت القاهرة المحلي 15:52:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اليمين واليسار جناحان لطائر مهاجر

  مصر اليوم -

اليمين واليسار جناحان لطائر مهاجر

بقلم : عبد الرحمن شلقم

نتائج الانتخابات الأوروبية، أعادت الحديث عن اليمين واليسار السياسيين، وبخاصة في أوروبا. وُلدت الكلمتان وسط ضجيج الثورة الفرنسية، حيث جلس المحافظون في يمين الجمعية الوطنية، وجلس ممثلو الثورة في يسار القاعة. أخذ المصطلح فعلاً سياسياً بعد الحرب العالمية الثانية، وسيطرة الاتحاد السوفياتي على دول أوروبا الشرقية. بدأت حركات التحرير من الاستعمار في بلدان العالم الثالث، ولاقت دعماً من الكتلة الشرقية. الاشتراكية كانت الشعار الذي رفعته القوى السياسية في أغلب البلدان المستقلة، وإن اختلفت تطبيقاتها من بلد إلى آخر. في الدول المستقلة الجديدة، غاب ما يمكن تسميته اليمين؛ لأنها تبنّت سياسة الحزب الواحد، وعدم وجود أي نوع من المعارضة. أوروبا الغربية قبل قيام الاتحاد الأوروبي، كانت المهد السياسي والاقتصادي، لجناحي اليمين واليسار. اليمين الأوروبي التقليدي كان القوة التي قادت الحكم في غرب أوروبا الرأسمالي، وتحالفت مع الولايات المتحدة. في بريطانيا تبادل حزب المحافظين وحزب العمال الحكم، لكنهما حافظا على علاقة متميزة مع الولايات المتحدة. وفي الحالتين كانت الرأسمالية، أساساً راسخاً لا يتأثر بتغير الحزب الحاكم، ولم يظهر حزب شيوعي فيها. في إيطاليا الجمهورية حكم الحزب الديموقراطي المسيحي اليميني سنوات طويلة، ولكن الحزب الشيوعي كان له وجود سياسي فاعل في المعارضة. النقابات العمالية كانت لها قوة سياسية كبيرة. في فرنسا حكم اليمين، وكان للاشتراكيين نصيب محدود في الحكم. الحزب الشيوعي الفرنسي كان من أقوى الأحزاب الشيوعية في أوروبا الرأسمالية، مع الحزب الشيوعي الإيطالي. الاقتصاد كان هو العنوان الذي يصبغ كل حزب بلونه السياسي. الضرائب والرواتب وسياسة التقاعد، والخدمات وبخاصة التعليم والصحة والتأمين، هي الصانعة للخيارات الانتخابية. سياسات الاتحاد السوفياتي التي وُصفت بالاشتراكية، كان لها فعلها في الغرب الرأسمالي. سياسة جوزيف ستالين القمعية، وتردي الوضع الاقتصادي في الجمهوريات السوفياتية، ومعاناة العمال، كان لها انعكاس مباشر في دول غرب أوروبا الرأسمالية، حيث منحت حكوماتها الطبقة العاملة امتيازات غير مسبوقة، منها تنظيم ساعات العمل، ورفع المرتبات، ومشاركة النقابات العمالية في دورة الحياة الاقتصادية. كل ذلك من أجل إبطال مفاعيل المدّ الشيوعي في الدول الأوروبية. كانت الطبقة العاملة في الغرب، المستفيد الأكبر من الممارسة الشيوعية في الاتحاد السوفياتي ودول شرق أوروبا. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه كل المنظومة الاشتراكية، تسيَّد اليمين في غرب أوروبا، وتراجعت الأصوات الاشتراكية والثورية، في كل العالم، بما فيه أوروبا.

في بلدان العالم الثالث، لم تشهد غالبيتها ما يمكن تسميته اليمين واليسار؛ لأنها عاشت تحت حكم الحزب الواحد، ولم تقم بها ديمقراطية النموذج الغربي، حيث قوة تحكم، وأخرى تعارض.

الولايات المتحدة، لها نظامها السياسي الخاص، وكذلك منظومتها الاقتصادية. منذ قيامها قادها حزبان سياسيان، لا منافس يذكر لهما. الحزب الجمهوري، والحزب الديمقراطي. وهما يتفقان على حزمة من الثوابت الوطنية، مع اختلافات في بعض التفاصيل. الاقتصاد هو إبرة البوصلة التي تحدد وجهة الناخبين. المجمع الانتخابي هو مالك قرار الفصل في اختيار رئيس الدولة، وطريقة اختياره وتشكيله، تتفرد بها الولايات المتحدة. وقد حدث أكثر من مرة أن حصل مرشح للرئاسة، على أصوات غالبية الشعب، ولم يفُز بدخول البيت الأبيض؛ لأن المجمع الانتخابي صوّت بالأغلبية لمنافسه. تتغير برامج المرشحين للرئاسة وعضوية الكونغرس، لكن الاقتصاد هو الحاضر الأقوى دائماً، وبخاصة الضرائب، وأسعار الفائدة، والتعامل التجاري مع الدول الأخرى. السياسة الخارجية لا تمثل في أغلب الأحيان، عاملاً مهماً. الحزب الجمهوري، يحسَب على المحافظين، وأكثر أعضائه من المتدينين، فهو ضد الإجهاض والمثلية، وينتهج سياسة متشددة في ما يتصل بالهجرة. في حين يتبنى الديمقراطيون سياسة مرنة في ذلك. الشعبوية موجة مضافة إلى سياسة اليمين وأصواته، وبخاصة في العشرية الأخيرة من هذا القرن، وقادت إلى ظهور ما عُرف باليمين المتطرف، الذي يعمل من أجل تكريس الهوية الوطنية، سياسياً واجتماعياً وثقافياً. في أوروبا، وبخاصة في فرنسا، صار موضوع الهجرة مادة انتخابية مهيجة، إلى حد اعتبار المهاجرين المسلمين، قوة تهدد الهوية الفرنسية. الشعبوية السياسية، انتشرت في دول أوروبا وبخاصة الغربية، ولم يكن لها القوة ذاتها في دول الشمال الأوروبي. في عالمنا اليوم، حيث العولمة، أو كما يسميها الفيلسوف مراد وهبة الكوكبية، برزت قوى جديدة، أهمها الصين المصنع العالمي الكبير، وكذلك السوق الواسعة، وبعض دول أميركا اللاتينية، ودول الخليج العربي، كلها تقدم نماذج مختلفة في منظوماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحققت تقدماً في مختلف الميادين.

لقد تغير العالم كثيراً بفضل التعليم، والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. هناك عزوف واسع عن المشاركة في الانتخابات، وتفاوتت تطلعات الأجيال الجديدة، وتغيرت المسافات بين ما كان يُعرف باليمين واليسار، وصارا طائراً واحداً مسافراً بجناحين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اليمين واليسار جناحان لطائر مهاجر اليمين واليسار جناحان لطائر مهاجر



GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

GMT 09:40 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

نيران إسرائيلية صديقة!

GMT 09:38 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

عودة رواد الفضاء

GMT 09:36 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هولاكو وأمير المؤمنين

GMT 09:35 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هل ضعفت مناعة لبنان؟

GMT 09:33 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt