توقيت القاهرة المحلي 23:17:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أوروبا أمام مرآتها المتحركة

  مصر اليوم -

أوروبا أمام مرآتها المتحركة

بقلم : عبد الرحمن شلقم

عاشت القارة الأوروبية أسبوعاً هزَّها، وشدَّ العالمَ إلى صخب عواصمها. انتخابات البرلمان الأوروبي أطلقت أضواءً مختلفة، كان أبرزها وألمعها، الأحمر والأصفر.

تقدم بارز لما يسمى اليمين المتطرف في بعض الدول.

كانت نتائج هذه الانتخابات مؤشراً سياسياً، أكثر مما هي حقيقة عاملة، ستغير التكوين السياسي في دول الاتحاد الأوروبي. لم يحقق اليمين المتطرف نتائج كبيرة عاصفة، تدعو إلى الرعب من القادم السياسي داخل دول منظومة الاتحاد الأوروبي. صلاحيات البرلمان الأوروبي ليس لها قوة عاملة داخل دول الاتحاد، سواء في المجال الاقتصادي أو السياسي. المفوضية الأوروبية لا تمثل جهازاً تنفيذياً يمتلك القرار الملزم في الشؤون الداخلية الحياتية للدول. نتائج الانتخابات اعتبرتها القوى السياسية، مؤشراً يكشف عن المزاج السياسي للمواطن الأوروبي بمختلف تياراته من اليسار إلى اليمين. هنا تكمن عوامل الارتياح والانزعاج. في كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، جرت قراءة النتائج في ضوء، تحرك مؤشر القوى المتنافسة على كراسي الحكم. كانت ردود الفعل مختلفة من دولة إلى أخرى. فرنسا كانت الأعلى صوتاً في صرخات الانفعال السياسي على نتائج الانتخابات. الرئيس إيمانويل ماكرون أعلن بُعيد ظهور النتائج الأولى، حل الجمعية الوطنية، والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة. ما قام به الرئيس ماكرون، كان توظيفاً سياسياً لما حدث، وذلك لسببين. الأول أن ماكرون كان يفكر ويناقش مع أعوانه منذ أشهر، فكرة حل الجمعية الوطنية، والدعوة إلى انتخابات مبكرة، لوضع حزب اليمين في حلبة المعترك التنفيذي المباشر، السبب الآخر هو أن النظام الفرنسي، يختلف عن الأنظمة السياسية في أغلب دول الاتحاد الأوروبي، التي تتبنَّى النظام البرلماني، في حين يقوم الحكم في فرنسا على النظام الرئاسي، وفي حالة حصول المعارضة على الأغلبية في البرلمان، تشارك الرئيس في الحكم. الرئيس ماكرون أراد أن يستثمر نتائج الانتخابات الأوروبية في فرنسا، التي تقدم فيها اليمين الذي يوصف بالمتطرف، أراد أن يستثمر الصدمة التي شعر بها قطاع كبير من الفرنسيين، الذين تظاهروا رفضاً لتقدم اليمين. في دول أخرى مثل ألمانيا وإيطاليا، لم تحدِث نتائج الانتخابات صدمة أو حتى هزّة فارقة. في إيطاليا مثلاً حقق حزب إخوة إيطاليا، الذي تتزعمه رئيسة الحكومة جوليا ميلوني نجاحاً كبيراً، في حين حقق حليفها حزب فورزا إيطاليا تقدماً طفيفاً، أمَّا الضلع الثالث في الائتلاف الحكومي، رابطة الشمال فلم يكن له نصيب يضاف إليه، كجناح يميني أقرب إلى التطرف. في ألمانيا لم تقرع النتائج طبول التوجّس من قوة تقدم اليمين. أوروبا قارة المخاض السياسي والفكري والاقتصادي والعلمي على مدى العقود الماضية. أبدعت وصنعت واستعمرت وتحاربت. ازدهر فيها العلم والفكر والصناعة والعنف والحروب. التداول على السلطة من حقائق الواقع، كما هو تحرك الفصول في مسار السنوات. برزت أحزاب حكمت لسنوات طويلة أو قصيرة، ثم رحلت وجاء غيرها إلى سدة الحكم. تعددت الأحزاب وتجددت وتغيرت. في بريطانيا والولايات المتحدة، هناك حزبان كبيران يتبادلان الحكم، ولا تتشكل حكومات ائتلافية من أحزاب مختلفة، في أوروبا، يختلف الوضع. هناك حقائق جديدة تعيشها القارة الأوروبية اليوم. أزمة اقتصادية فاقمها التضخم، وانعكاسات الحرب الروسية على أوكرانيا، وكذلك مشكلة المهاجرين من شرق القارة، ومن أفريقيا وآسيا. كلها تساهم في تشكيل المزاج الانتخابي. الانتماء الوطني في بعض الدول، والعزوف عن الاندماج في تكوين قاري أوسع، يبقى كامناً في النفوس رغم ما يحققه الاندماج الكونفدرالي من مصالح وتسهيلات للمواطن في دول الاتحاد الأوروبي. كل ذلك يحرّك الناخب نحو الهوية الوطنية التي يكرّسها اليمين في خطابه. الحرب الروسية في أوكرانيا، والدعم المالي والعسكري الأوروبي لأوكرانيا، صارت قضية محلية في دول الاتحاد، حيث يشعر المواطن أن ذلك الدعم السخي، سيطول وسيدفع هو الثمن، وأن روسيا لا يمكن أن تجنح إلى تسوية سياسية، وتنسحب من الأراضي التي احتلتها في أوكرانيا، وبدأ الحديث في أوساط اليمين الأوروبي عن ضرورة إقناع أوكرانيا بالقبول بالواقع، والتخلي عن بعض أراضيها المحتلة. قضية المهاجرين غير النظاميين، تحولت ناقوساً اجتماعياً واقتصادياً وأمنياً، يرتفع صوت ضرباته دون توقف. هناك تخوف من تغيير ديموغرافي حقيقي على المديين المتوسط والطويل.

على كل حال، فالانتخابات البرلمانية القادمة في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، هي التي سترسم خريطة القادم، في داخل دول الاتحاد. فزَّاعة الخوف من عودة الفاشية والنازية والأنظمة الديكتاتورية إلى أوروبا، أقرب إلى الوهم. فالديمقراطية تجذرت وصارت من المقدسات التي لا تقبل النقاش، وصناديق الاقتراع هي المعمل الوحيد الذي يصنع مديري الدولة. هناك ثوابت راسخة لها جذور عميقة وقوية في العقول، وفي منظومات التفكير. نتائج هذه الانتخابات الأوروبية، لا تتعدى كونها بعض صرخات احتجاج، ستخفت بعد قليل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوروبا أمام مرآتها المتحركة أوروبا أمام مرآتها المتحركة



GMT 21:15 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:53 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt