توقيت القاهرة المحلي 13:52:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

طه الشريف بن عامر مهندس السياسة الليبية الهادئ

  مصر اليوم -

طه الشريف بن عامر مهندس السياسة الليبية الهادئ

بقلم : عبد الرحمن شلقم

بعد سنة واحدة من تخرجي في قسم الصحافة بجامعة القاهرة عام 1973، التحقتُ بالعمل بقسم الإعلام بمجلس قيادة الثورة بطرابلس. عام 1973 كان منعطفاً أسس لمرحلة سياسية جديدة وطويلة في ليبيا. في تلك السنة، قُرع ناقوس الخلاف الكبير داخل مجلس قيادة الثورة. في اجتماع للمجلس بنادي الضباط على شاطئ مدينة طرابلس احتدَّ النقاش بين الأعضاء. عضو المجلس الرائد محمد نجم اقترح أن يُحلَّ المجلس، وأن يُشرع للترتيب لانتخابات برلمانية ورئاسية تؤسس لحكم ديمقراطي مدني في البلاد، ومن يرغب من الضباط الأحرار في ممارسة العمل السياسي يمكنهم تأسيس حزب باسم «الوحدويين الأحرار» يشاركون به في الانتخابات البرلمانية والرئاسية. انقسم الأعضاء بين مؤيد ومعارض. العقيد القذافي اختلف بقوة مع الرائد محمد نجم، قفز النقيب عمر المحيشي، وامتشق بندقيته واتجه نحو العقيد معمر القذافي. اندفع نحوه المقدم أبو بكر يونس جابر، وافتك منه بندقية «الباريتا» وطرحه أرضاً. بعد عودة الهدوء، اتفقوا على إقالة العقيد معمر القذافي من رئاسة المجلس، وتكليف المقدم أبو بكر يونس بالرئاسة. قَبِل العقيد معمر القذافي بقرار الأعضاء، لكنه قال إنني لن أقدم استقالتي لكم أنتم، بل سأقدمها إلى الشعب الليبي. سأذهب إلى مدينة زوارة بمناسبة المولد النبوي، وألقي خطاباً أعلن فيه استقالتي. وفعلاً ألقى خطاباً في زوارة، لكنه لم يعلن فيه استقالته، بل أعلنَ الثورةَ الشعبية في خطاب أسس لدولة ليبية جديدة. أُوقف العمل بالقوانين وتفككت الإدارة، وجرى اعتقال عدد من المثقفين. تنقلتُ بسرعة بين عدد من الصحف، وفي عام 1974 التحقت بالعمل في قسم الإعلام بمجلس قيادة الثورة. المهندس طه الشريف بن عامر كان حينها وزيراً للدولة لشؤون مجلس قيادة الثورة، وعملياً كان مدير مكتب رئيسه العقيد معمر القذافي. بعد خطاب العقيد القذافي في زوارة، وما آلت إليه بنية الدولة، صار بن عامر بحكم موقعه المايسترو حامل عصاة قيادة الأوركسترا السياسية والإدارية للدولة، وجهاز الإرسال والاستقبال بين القذافي والوزراء ومديري المؤسسات، وأحياناً حتى بين العقيد القذافي وأعضاء مجلس قيادة الثورة، الذين تقلص عددهم بعد انسحاب بعضهم. طه الشريف بن عامر يتحدر من عائلة كبيرة في مدينة بنغازي، لها وزنها السياسي والاجتماعي والثقافي الكبير. تخرج عام 1959 مهندساً مدنياً من جامعة عين شمس بالقاهرة. عاد إلى بنغازي وساهم في بناء عدد من المباني التي ما زالت تشهد على قدراته العلمية والمهنية، كما كان له دور متميز في إعادة إعمار مدينة المرج بعد الزلزال المدمر. تدرج في المناصب وعُيّن وكيلاً لوزارة الإسكان في العهد الملكي. تولى وزارة المواصلات في حكومة الرائد عبد السلام جلود عام 1972، وبعد ذلك عُين وزيراً للدولة لشؤون مجلس قيادة الثورة. امتاز بن عامر بروعة أناقته ودقة مواعيده. حادثة تعاد وتُذكر إلى اليوم، كانت مع القنصل البريطاني في مدينة بنغازي. كان للقنصل موعد مع بن عامر، وكيل وزارة المواصلات في العهد الملكي. تأخر القنصل ربع ساعة، وعندما حضر القنصل متأخراً عن الموعد المحدد قيل له لقد تأخرت فألغي الموعد.

كنتُ مكلفاً بمتابعة ما تنشره وكالات الأنباء والصحف الأجنبية، وأن أقدم ملخصاً عنها كل صباح إلى وزير الدولة لشؤون مجلس قيادة الثورة، بن عامر، الذي يكون بمكتبه الساعة الثامنة، من دون تقديم أو تأخير حتى دقائق. يطَّلع على ما أعرضه عليه. كثيراً ما كان يطلب مني أن أرفق النص الكامل لموضوع ما، مع الملخص له. وفي بعض الحالات يطلب مني أن أكتب تعليقاً ويرسله هو إلى إحدى الصحف الليبية، لينشر افتتاحية فيها من دون الإشارة مباشرة إلى وكالة الأنباء أو الصحيفة الأجنبية التي أوردت الخبر أو المقال.

كان العقيد القذافي يستمع إليه باهتمام، ويعامله باحترام لا حدود له، وكثيراً ما يترك له حرية التصرف في معالجة بعض القضايا، وإذا أعطاه تعليمات ورأى المهندس بن عامر أن بها ما يستدعي المراجعة كان يتريث ويتروى ويراجعه في الأمر في وقت يراه مناسباً للمراجعة. كنتُ منشدّاً إلى شخصيته التي بها مكونات استدعتني إلى ذلك. الهدوء العجيب مهما كانت حساسية وتعقيدات المواقف، أما التوتر فلا يعرف له طريقاً ولا باباً.

كان العقيد القذافي من حين إلى آخر يفاجئني بالدخول إلى مكتبي، يسألني عن أخبار بعض الأشخاص الذين كانوا يعملون بالقسم الداخلي عندما كان طالباً بمدينة سبها، وكذلك من كانوا زملاء له في مدارس المدينة. بعض الزملاء الموظفين بالقيادة كانوا لا يتوقفون عن السؤال حول ما يدور بيني وبين العقيد عندما يزورني بمكتبي. المهندس طه الشريف بن عامر لم يسألني عن ذلك لا تصريحاً ولا تلميحاً. بوفاته في يوم 3 مارس (آذار) عام 1978 في حادث سقوط طائرة مروحية، برفقة وفد رفيع المستوى من جمهورية ألمانيا الشرقية، فقدت ليبيا شخصية استثنائية تركت فراغاً سياسياً كبيراً في وقت كانت فيه البلاد تتمايل فوق أمواج، تحركها رياح محلية وإقليمية ودولية عاتية. كان رحمه الله مهندساً في كل شيء.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

طه الشريف بن عامر مهندس السياسة الليبية الهادئ طه الشريف بن عامر مهندس السياسة الليبية الهادئ



GMT 08:44 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

الاستثمار في الفوضى

GMT 08:41 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

منصة إكس والتحرش الرقمي

GMT 08:39 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

ذبذبات فضائية

GMT 08:37 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

«أطباء» السوشيال ميديا

GMT 08:36 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

الصادق النيهوم في فنزويلا وإيران

GMT 08:34 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

وطنيات وجدليات حسام حسن

GMT 08:33 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

حين تتقاطع الجغرافيا مع الهُويَّة

GMT 08:31 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

الغرب ونهاية ربع قرن

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:53 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون
  مصر اليوم - حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون

GMT 08:51 2025 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

يقولون : في الليل تنمو بذرة النسيان..

GMT 04:34 2017 الخميس ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

طرق مضمونة لتوظيف الشمع في الديكور دون أضرار

GMT 06:29 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

شيرين رضا تحل ضيفة في برنامج "هنا العاصمة" الثلاثاء

GMT 14:11 2017 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

باسم مرسي يعود إلى تدريبات الزمالك بعد لقاء الاتحاد

GMT 07:01 2015 الإثنين ,07 كانون الأول / ديسمبر

المطربة ياسمين علي تتألق على مسرح معهد الموسيقي العربية

GMT 02:22 2014 الأربعاء ,26 آذار/ مارس

حديقة "أولهاو" تغّري زوّارها بفضائها الطبيعي

GMT 02:56 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

صناعة الزجاج تُشكل هوية ثقافية كبيرة في فلسطين

GMT 20:23 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ضمّ اسم الوليد بن طلال لصدارة قائمة الفساد في السعودية

GMT 22:09 2016 الجمعة ,16 كانون الأول / ديسمبر

وكيل صالح جمعة يوضح حقيقة سهره في "ملهى ليلي"

GMT 20:32 2017 الثلاثاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

العراق يتسلّم من إيطاليا تمثال "الثور المجنح" بعد إعادة ترميمه
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt