توقيت القاهرة المحلي 23:17:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الهروب من السؤال مع سبق الإصرار

  مصر اليوم -

الهروب من السؤال مع سبق الإصرار

بقلم : عبد الرحمن شلقم

الأسئلة نسماتٌ تسري إلى حلقة الرأس، فهي النفس الذي يُزرع فيه بذورُ التفكير، والماء الذي يرويها. الأسئلة خطوات تتحرك في العقول من دون توقف. وإن كانت هي الشهيق، فالإجابات هي الزفير المجيب. ذلك هو ديالكتيك الحياة الذي يبدع، ويصنع استمرار الحياة وتجددها في حركة الزمن الذي لا يتوقف. العقل نخلة تثمر في كل الفصول، بل في جميع الأوقات، وعندما يهزّها التفكير تساقط رطباً جنياً. لكن زعازع الرياح لا تتوقف، وقد تتلوى وتتحرك من مختلف الاتجاهات، فيكون الساقط من النخلة قبل نضجه، حشيفاً يابساً لا نفع فيه. الرياح الزعازع التي تخنق العراجين، فتجهض التمر قبل موعد نضجه، لها عشرات بل مئات المحركات أحياناً. الخوف والتردد وعدم القدرة على مواجهة ما يشعله السؤال من حرارة في الرؤوس. لكل زمن بحوره وأنهاره وترابه، والناس فيه بين سابح في برزخ، وعابر في سبيل طويل. هناك مجتمعات كسرت حلقات القيود عن فاعلية عقلها، وعاشت في بساتين تزينها زهور السؤال، ومنحت حياتها شهيق التفكير، فأبدعت زفير النهوض والتقدم الدائم. أمم أخرى استمرأت الخوف من حرارة السؤال، فذاب في كيانها الجهل والجمود، وصارت الإعاقة العقلية لذةً للجاهلين، يبدعون منها ولها. صارت الرؤوس جحوراً لا شيء فيها، سوى تراب يزفُّ الغبار الخانق، والحواس صماء بكماء عمياء.

السؤال قبضة عقل تطرق الرأس، فيرنُّ ناقوس اليقظة، وتتحرك صحوة التفكير. يرسم الإنسان خريطة لها عيون، وفيها أضواء تخلق تكوينات ومفاهيم، يتحرك بهمّةٍ لإبداع إجابات تتوالد بلا توقف. من آلاف النواقيس التي تحرك العقول، تعم اليقظة وتنطلق النهضة في دنيا الحياة. كل اكتشاف أو اختراع حققه الإنسان، كان إجابة عن - لماذا؟ - هذه الكلمة الصغيرة كانت المصنع الإنساني الأسطوري، الذي رفع البشر من الحالة الحيوانية، إلى الدرجة الإنسانية التي قهرت الزمان والمكان. الخوف من ظلامية المجتمع، وقمع السلطة والخرافة والموروث الميت الرميم، هي الأقفال المزمنة التي تغلق أفواه الأسئلة وأبوابها، وتهشّم نواقيس اليقظة، وتحيل الصمت سباتاً مزمناً، يتلذذ بمتعة الجهل في غيبوبة الهروب من متعة السؤال.

الحالة البدائية تمنح الجاهلين الذين يعيشونها، إحساساً بالأمن في دنيا يفسرون كل ما فيها من الظواهر، بالخرافات والأساطير، ويكفون أنفسهم مشقة الدخول في معامع الأسئلة وما تفرضه من إجابات.

مسيرة الإنسانية الطويلة من الجهل نحو العلم، ومن التخلف نحو النهوض والتقدم، كلفت روادها الكثير. علماء أيقظتهم الأسئلة، وأعطوها أعمارهم من أجل الإجابة عنها، بل منهم من قدم حياته، وقُتل شنقاً أو حرقاً. الجواب مغامرة قاتلة، لكنه هو مفتاح كل أبواب الأزمنة الجديدة بإنسانها الجديد المتحضر.

هناك أهداف يتحرك الإنسان نحوها، مثل تسهيل حركة البشر بين الأمكنة، من وعثاء السفر على الأقدام، وعلى ظهور الحيوانات، إلى اختراع السيارة والقطار والطائرة. كل ذلك كان ومضات عقول تعلمت فتحررت وأبدعت. انتقلت البشرية في قفزة أسطورية، من الخضوع للظواهر الطبيعية العنيفة، وتفسيرها بخرافات غيبية، والاستسلام للأمراض كالطاعون والجدري والسل وغيرها، إلى الاعتكاف في المعامل والسهر في مراكز البحث، لتخليق الدواء. كل ما تعيشه البشرية اليوم من حضارة وازدهار، هو بفضل جبال الإجابات العلمية، عن أسئلة غمرت حقول العقول. الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية محلية كانت أو عالمية، هي أعراض لأمراض تعشعش في الكيانات البشرية المختلفة. الحروب بكل أنواعها والعنف والتطرف، والكساد الاقتصادي والانحرافات والجرائم، كلها أعراض لأمراض، في أجساد الكيانات الإنسانية. ولكل داء طبيبه ودواؤه. في سنة 1968 انطلقت في فرنسا ثورة شبابية، وتحركت إلى مدن أوروبية عدة. منذ بداية انطلاقها أيَّدها الفيلسوف الفرنسي جان بول ساتر بقوة، وكان موقفه المؤيد لثورة الشباب دافعاً لزيادة تأججها. اقترح قادة الأمن الفرنسي على الرئيس شارل ديغول، اعتقال سارتر لمنعه من التواصل مع الشباب الثائرين. ردَّ عليهم ديغول: تطلبون مني اعتقال فولتير زماننا؟ اذهبوا له واسألوه عن أسباب ما حدث وماذا يرى. اجتمع عشرات من السياسيين وعلماء الاجتماع وعلماء النفس وخبراء الاقتصاد، وناقشوا في اجتماعات طويلة أسباب وخلفيات ما حدث، وقدموا برامج تعليمية وإعلامية ورياضية، تجيب عن ما يعتمل في نفوس شباب جيل جديد، له أسئلته التي ما طافت في رؤوس آبائه وأجداده. الشباب يريد أن يعيش دنيا من إبداعه.

عندما شهدت سبعينات القرن الماضي، موجة عنف يسارية دموية في أوروبا. في فرنسا مجموعة العمل المباشر، وفي إيطاليا مجموعة الألوية الحمراء التي اغتالت السياسي الإيطالي الكبير الدو مورو، وفي ألمانيا مجموعة البادرماينهوف، اهتزت أوروبا. عُقدت اجتماعات موسعة في كل أنحاء أوروبا الغربية، من أجل البحث عن لماذا حدث ما حدث؟

في منطقتنا العليلة ساد العنف والتطرف، وهيمنت الفوضى والحروب الأهلية وغير الأهلية وتجذر الفساد، وصار الجهل عقيدةً تتفشى. الغائب الوحيد هو، لماذا؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهروب من السؤال مع سبق الإصرار الهروب من السؤال مع سبق الإصرار



GMT 21:15 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:53 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt