توقيت القاهرة المحلي 13:37:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العربُ في خضم زمن جديد

  مصر اليوم -

العربُ في خضم زمن جديد

بقلم : عبد الرحمن شلقم

احتفل العالم في الأيام القليلة الماضية، بمرور ثمانية عقود، على نهاية الحرب العالمية الثانية، وهزيمة الفاشية والنازية، وولادة عالم جديد بكيانات سياسية واقتصادية وآيديولوجيات جديدة. كانت أغلب البلدان العربية آنذاك، تحت الاستعمار أو الحماية والوصاية الأوروبية. الحرب العالمية الأولى أنهت الإمبراطورية العثمانية، التي حكمت الجزء الأكبر من المنطقة العربية، وبعدها جثم الاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي، على مساحة واسعة من المنطقة العربية.

لم يعرف العرب من قبل التكوين السياسي الذي يُسمى الدولة. بعد موجة الاستقلال قامت الكيانات الجديدة، التي تحمل أسماء تعبّر عن هوياتها الوطنية. كان النظام الملكي هو السائد في حكم التكوين الجديد. التنمية والتطور والسلم الاجتماعي، كانت الأهداف التي تتحرك نحوها الطموحات الوطنية. كان القادة من رجال عركتهم التجارب والمعاناة في زمن التسلط العثماني، والقمع الاستعماري والفقر والأمية. لم تكن لهم مؤهلات تعليمية عالية، ولكنهم امتلكوا الحكمة والفراسة. كان الهدف الأساسي لذلك الجيل من الملوك، هو أن يحققوا لأولادهم وأحفادهم، ما حُرموا هم منه على مدى زمن طويل.

النسيج الاجتماعي في كيانات ما بعد الاستقلال، اختلف من بلد عربي إلى آخر. القبيلة هي الوعاء الجامع للسكان في القرى والواحات، أما المدن فكانت تضم شرائح ثقافية واقتصادية ومهنية متنوعة. الأحزاب السياسية لم تقم إلا في القليل من البلدان. ساد السلم الاجتماعي وانطلقت مسيرة التعليم، وترسخت قواعد الإدارة والقانون والأمن.

بعد سنوات قليلة من تحقيق حلم الاستقلال، هبَّت عواصف عاتية على الكيانات الوليدة. أولها وأشدها كانت قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وهذا الجرح ظلّ غائراً في العقل والوجدان العربي. الجيش والعَلم والنشيد الوطني، هي العناوين لسيادة الأمة. أسست كل دولة عربية جيشاً لحماية وجودها وحدودها، لكن هذه المؤسسة المسلحة، تحولت في بعض الأقطار قوة استولت على الحكم. حدث ذلك والحرب الباردة العالمية بين الشرق والغرب على أشدها. اصطفت الأنظمة العسكرية إلى جانب الكتلة الشرقية، وارتفع في هذه الأنظمة صوت القومية العربية بشعاراتها وأناشيدها وآيديولوجياتها، وتبنت بعض تلك الأنظمة المسار الاقتصادي الاشتراكي، وبدأت حروب المخابرات العابرة للحدود. تسممت العلاقات السياسية بين الدول العربية، وخاض الإعلام معارك كلامية حادة، وطفحت عبارات الثورية التقدمية والرجعية العميلة... إلخ. اكتُشف النفط في عدد من البلدان العربية، وكان هذا الاكتشاف مصدراً لثروات كبيرة، تباينت سياسات استثمارها من بلد إلى آخر. هناك مَن أنفق تلك الثروة في تكديس السلاح والحروب، ومن سخَّرها للتنمية الشاملة في كل المجالات. دول عربية لم يهبها الله ثروات من باطن الأرض، لكنه وهبها ثروة العقل والحكمة، فحققوا لشعوبهم السلم الاجتماعي والاستقرار، ونجحوا في تحقيق تنمية بقدراتهم الوطنية.

شهد العقدان الأخيران من هذا القرن، تطورات إقليمية وعالمية كبيرة، أعادت تشكيل المنظومات والتوازنات السياسية والاقتصادية الدولية. برزت الصين الشعبية قوةً اقتصادية وعسكرية عملاقة، والهند انطلقت في بناء قدراتها العلمية والاقتصادية والعسكرية، وعادت روسيا إلى لعب دور فاعل دولياً، وأوروبا المتحدة في كيان كونفدرالي، فرضت وجودها الدولي. أميركا اللاتينية لم تعد الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية. المنطقة العربية لم يكن لها وجود يُحسب في النظام الدولي، وتُعدُّ من النتوءات والتخوم على خريطة النظام الدولي. لم تنجح المنطقة العربية، في بناء تكامل اقتصادي بينها، أو إقامة تكوين سياسي عامل. شعار الوحدة العربية الذي رفعته الأنظمة التي هتفت بالقومية، ابتلعته عاديات الزمن وتهاوت أنظمته، فزمننا المعيش لا مكان فيه لصخب العواطف وشعارات التعبئة الكلامية. أوروبا لم تتوحد تحت شعار القومية الأوروبية، بل جمعها تماثل فكرها وأنظمتها السياسية الديمقراطية، وتقدمها الاقتصادي والعلمي.

اختراق استراتيجي، نقل منطقة الخليج العربي، من منطقة التخوم إلى المكان الفاعل في النظام الدولي الذي يتشكل الآن من جديد. بلدان الخليج أقامت مجلساً للتعاون، وبقي هذا المجلس ثابتاً وفاعلاً، رغم كل الهزات التي شهدتها المنطقة.

دول مجلس التعاون العربي، تلعب اليوم دوراً عالمياً، عبر مبادرات السلام، ونجحت في عقد اجتماعات بين الخصمين، روسيا وأوكرانيا، حيث تم تبادل الأسرى بينهما، واستضافت المفاوضات بين أميركا وإيران، وتلعب دوراً كبيراً في رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني في غزة. زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخيرة، إلى ثلاث دول خليجية وعقد قمة مع قادة كل دول الخليج، وما تم الاتفاق عليه مع الرئيس ترمب، فتحا باباً واسعاً لدخول هذه الدول إلى عقل العالم الجديد. الخليج العربي ينطلق نحو زمن جديد بإنسان جديد.

رغم الزوابع الدامية التي تشهدها بعض البلدان العربية، فلا يزال الأمل كبيراً في أن يستيقظ العقل، وأن يُحتكم إلى الواقعية وتسود سياسة المصالحة والتنازلات المتبادلة، بين الأطراف المتصارعة، ودول الخليج العربي مؤهلة لأن تلعب الدور المحوري في ذلك.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العربُ في خضم زمن جديد العربُ في خضم زمن جديد



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt