توقيت القاهرة المحلي 15:52:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل يغلب الشعر الزمن؟

  مصر اليوم -

هل يغلب الشعر الزمن

بقلم - عبد الرحمن شلقم

قال المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير في كتابه الفريد عن المتنبي: «شاعر عربي من القرن الرابع الهجري: أبو الطيب المتنبي»: «وثمة عنصر من أهم العناصر التي أسهمت في تحبيب ديوان المتنبي إلى الشرقيين، وهو الأقوال الحكمية التي احتواها، وهذا لعمري ليس بجديد، في عبقرية الشعر العربي، ذلك الشعر المكثف والموجز والموقع ألا يحتل فيه النوع الحكمي مكان الصدارة في آثار سلف المتنبي ومعاصريه وخلفائه، ولم يستطع أحد منهم الخضوع بسهولة لذلك القانون الأساسي في الفن الشعري العربي كما خضع له أبو الطيب، ذلك القانون الذي يحرّم التضمين، ويلزم الشاعر تركيز الفكرة في بيت واحد».
أنهى أبو الطيب معركته الطويلة مع عدوه الأكبر ـ الزمن ـ الذي ظلمه ولم ينصفه، أنهاها مثلما بدأها بحكمة القبول بقانون الفناء والنهاية القدرية، التي لا مهرب منها لمن كبر أو صغر، ولم يكتب وصفة شعرية للمقاومة، استسلم قابلاً.
ويليام شكسبير ــ رأى أن المقاومة ممكنة، بل واجبة، كيف؟
نعم، قال شاعر الزمان وغريمه، نستطيع أن نقاوم بقوتين
هما «الحب» و«النسل»، يربطهما خيط الخلود الأبدي - الشعر -...
في - السونيت رقم 56 - يقول شكسبير:
«أيها الحب العذب جدد قوتك لئلا يقال
إن نصلك أقل إرهافاً من الشبق
الذي يرتوي حتى الثمالة اليوم
لكنه يعود غداً
مرهف النصل متفجراً قوة كما كان في الأمس
ودع هذا الزمن الفاصل الآسيان»
يقدم الشاعر الكبير وصفته الثانية، للمقاومة وهي التناسل، الذي يقهر طغيان الزمن وسطوته باستمرار الخلق في الوجود، تلك الحقيقة الإنسانية المتدفقة دائماً، (التناسل)، يقول في السونيت رقم 11:

«بالسرعة نفسها التي بها تدوي ستنمو
في نسل منك.. من ذلك الذي منه تنفصم
وذلك الدم الطري الذي تهبه وأنت فتى
بوسعك أن تقول إنه لك حين تنحدر من ذرى شبابك
وهنا تكمن الحكمة والجمال والنماء
ومن دون ذلك لا شيء سوى الحمق والهرم وبارد الفناء
لو كان الخلق كلهم مثلك لانقطع الزمن
لقد صاغتك الطبيعة لتكون ختماً لها
وقد قصدت بهذا أنَّ عليك أن تطبع نسخاً أكثر
وألّا تدع ذلك الأصل يفنى».

تلك هي وصفة الخلود التي ينتصر بها الإنسان على غريمه الأبدي الأزلي، ـ الحب – والنسل، لكن، حتى تتحول الوصفة إلى «رقية» تحتاج إلى حروف قدسية تخطها وهي الشعر. أما في السونيت رقم 18 يقول:

«هل أُشبهُكَ بيوم صيفي؟
بل أنتِ أكثر بهاءً وأسجى مزاجاً:
إن الرياح العاتية لتعصف ببراعم مايو الغالية
وإن أجل الربيع لوجيز وجيز
وحدقة السماء تشع أحياناً بشواظٍ لاهبة
وكثيراً ما تغلف بشرتها الذهبية غلالة كامدة
وكل بهاءٍ يفقد ذات يوم رونقه
تجزه الصدفة أو مجرى الطبيعة المتغير
لكن ربيعك السرمدي أنتِ لن يصّوح
أو يخسر ذلك الرونق الذي هو ملك يديك
ولن يتاح للموت أن يتبجح بأنه يظلل خطاك
وبهاؤك يزدهر مع الزمن في أبيات خالدات
ما دام نفسُ يخفقُ في صدر وما ائتلق في عين نور
فستحيا هذه الأغنيات وتهبك أنت الحياة»

- تلك كانت رحلة في الزمان، في معركة يصارعها الجميع مدركاً أو غافلاً، هل معارك الكبيرين العظيمين، المتنبي وشكسبير هي سر خلودهما؟ قد يكون ذلك بقدر أو آخر، لكن الشيء الذي نكاد نجزم به هو أن الوعي الشقي بثقل الزمن يفجر في العقل والقلب، في الخيال وفي الروح آفاقاً ورحاباً، تجعل الأسئلة الوجودية كوناً مضافاً إلى معالم القريحة العبقرية الفذة، تفتح صفحات الوجود السرية والمتعالية أمام شعاع الإبداع الاستثنائي. هذا السونيت رقم ــ 108 يصبُ فيه الشاعر شكسبير، العصارة السحرية الكاملة الخالدة، شعراً وحباً وزمناً، هو بيت الزمن والحب والحياة، بيت الروح، قصيد القصيدة:

«أي شيء يوجد في الفكر وبوسع الحبر أن يكتبه
لم يصور لك روحي الحقيقية
وما الجديد ليقال، وما أدوّن الآن
مما يمكن أن يجسد حبّي، أو شمائلك النفيسة؟
لا شيء أيها الصبي الحلو لا شيء
ومع ذلك لا بد لي كل يوم مثل الصلاة الإلهية
أن أعيد قول الأشياء ذاتها
غير معتبر أي شيء قديم قديماً، أنت لي، وأنا لك
تماماً مثل أول مرة قدست فيها اسمك الجميل
من أجل ألا يحمل الحب الأبدي
في صيغة الحب الجديدة غبار الزمن وجراحه
ولا يفسح للتجاعيد التي لا مهرب منها مكاناً
بل يجعل القدم إلى الأبد غلاماً خادماً له
واجداً الصورة الأولى للحب تُربّى هناك
حيث يجعله الزمن والمظهر الخارجي يبدو ميتاً»
(شكسبير السونيتات ترجمة كمال أبوديب)

مضت السنون مات الملايين وولد أكثر منهم، الشمس تشرق والفصول تدور الزمن طاغ بلا كلل، لكن الحب، يجعل الناس تتناسل، تحيا وتغني وتغازل الزمن.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل يغلب الشعر الزمن هل يغلب الشعر الزمن



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt