توقيت القاهرة المحلي 17:26:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الزمن اللولبي

  مصر اليوم -

الزمن اللولبي

بقلم : عبد الرحمن شلقم

الأعوام تتدحرج وتطرق باب الزمن المتحرك. السنوات أيام وشهور تتحرك، بحواس تتفاعل فيها موجات الوقت. الحياة ملاحم مركبة ممتلئة بكل ألوان ما تبدعه العقول، وما تنجزه عضلات الناس. في هذا القرن الحادي والعشرين، المحسوب بسنوات ما بعد المسيح عليه السلام، امتلأت الدنيا بحواس جديدة، وعضلات عابرة للأرض والسماء. وسائل الاتصال والتواصل كسرت ما كان حكراً على قشرة رقيقة من سكان الأرض الواسعة. تراجعت الأمية، واتسعت مساحة المعرفة. الكبار والصغار، والكتاب والقراء يعبّرون على الصفحات ذاتها، وكأن العالم صار قاعة رحبة، تجمع من يحمل أعلى الشهادات، ومن غادر لتوه فناء رياض الأطفال. تقنية الهاتف والفضائيات ورحلات الطيران الرخيصة، وصناعة السياحة، قلبت حسابات الوقت، وغيَّرت طول المساحات وعرضها. لم يعد العالم قرية صغيرة، بل صار مائدة متوسطة الحجم، يتحلَّق حولها البشر. العلم في هذا الزمن، هبة الوجود إلى الجميع، لكنه صندوق فيه بنفسج الأمل، ومعه متفجرات الخوف. الشعوب الفقيرة، ترى أضواء الرفاهية العابرة للصحارى والبحار، فتتحرك في وجدان شبابها، قوة الحلم المغامر. ينطلقون جماعات وفرادى نحو دنيا أضواء الحلم والوهم. يموت الآلاف عطشاً وجوعاً في الصحارى، ويغرق مثلهم في مياه البحار. الأوبئة الفتاكة لها سرعة تفوق سرعة ما تنتجه معامل الدواء، ويلتهم الوباء الملايين. الحروب لعنة النار الكامنة في الرؤوس، وفي رعشات النفوس، لا تغيب عن جبال الزمن ووهاده، تلتهم البشر من دون أن يعرف أغلب من يخوضها، دوافعها ومبرراتها. لعقود عدة نسي الناس سلاحاً اسمه النووي، اليوم تفوح رائحة سلاح الفناء هذا في تصريحات علنية تتوعد وتهدد. الحديث عن ضم دول وشراء جزر وبناء أسوار عالية على الحدود، تزفه وسائل الإعلام للناس، وكأنها تتحدث عن حفل فني ساهر. نعبر بوابة أخرى في عداد الزمن، وتنفتح صفحة جديدة، في مجلد له صفحات تكتبها حروف الأيام والشهور. لا نعرف أسرار ما ستزفه رياح الآتي إلى دنيانا، التي يهددها التلوث المرعب، والحرارة التي لا تتوقف درجاتها عن الارتفاع. جبال الجليد تفقد صلابتها، وتتماهى مع سيولة العقول، وتهدد اليابسة بالغرق. الجفاف والزلازل والسيول، تضرب في كل مكان. هل نحن من يعبث بالزمن، أم هي القوة اللولبية التي تلوي الجميع بتعرجات دوراتها؟ الفيلسوف وعالم النفس كارل يونغ، حلل شخصية المحتال، ويبدو أن الزمن هو أيضاً كذلك. منذ الأزل خاصم البشر الطبيعة، واستعبدوها بكل ما لهم من قوة، وسخَّروا كل شيء فيها لخدمة حاجاتهم ونزواتهم، لكنّ للطبيعة حدوداً في صبرها، وسترد والزمن هو ساحة المعركة الطويلة. عام جديد يأتينا وليس لنا سوى الاستسلام لعداده الرهيب، والحروب الطاحنة لا تلتفت إلى الوراء، وأنانية الأغنياء الأقوياء، تتغول وتضرب وتنهب بلا حدود. في كل ليلة رأس سنة ينفق الأغنياء الملايين، على الموائد الباذخة، والألعاب النارية، ويربط الفقراء الأحزمة على بطونهم الخاوية. كل عام يطرق باب زمننا، قادم يحمل في صناديق غيبه أحلاماً وآمالاً، لكنه يخفي في تلك الصناديق، ألغام الخوف والتوجس. نعبر الآن وسط العقد الثالث من هذا القرن، الذي يمتلك كثافة خاصة في كل شيء، وضمائرنا مثقلة بالألم مما تابعناه من إبادة وحشية، غير مسبوقة في غزة، حيث قتل الأطفال والكبار من النساء والرجال. فهل سيكون عامنا الجديد امتداداً لصواعق الإبادة الجماعية الرهيبة لشعب أعزل يعاني الموت والجوع والمرض والعطش؟ وماذا عن الحرب الكبرى في الطرف الآخر من الدنيا، حيث تدور الحرب العنيفة بين روسيا وأوكرانيا؟ مشهد غروب الوعي الإنساني، تراه العيون وإن غاب عن العقول القادرة على الفعل. لقد اعتقد الكثيرون أن التقدم العلمي، الذي اتسعت مساحته فوق الأرض، سيحقق السلام ويزيل الفقر والمرض، ويسكت السلاح وينقذ الأرواح، لكن عقول الساسة صارت لولبية، تدور حول مصالحها بأنانية لا تعرف حداً. العقل السياسي العالمي الجمعي، أسس منظمة الأمم المتحدة، لتكون محفلاً يجمع أمم الدنيا لتكريس السلام، ولجم العنف ومنع الحروب، وكتب الآملون وثيقة حقوق الإنسان، وحلم المستضعفون المقهورون، بالحرية والعدالة وسيادة القانون، لكن الاستبداد والقمع لا يزال يبطش بملايين البشر. السنون تتحرك في دورات الزمن، وتحمل في أحشائها مواليد حيوات جديدة، ويبقى الأمل حاضراً يفعل. للإنسان قوة لا يطالها الوهن، والعقول تبدع من دون توقف، ومثلما تشرق الشمس كل يوم، تلمع في العقول ومضات العلم والتطور، وصناعة قادم يقفز فوق عوائق الجهل والعنف وتخريب الطبيعة. الجيل الشاب الذي يرى بعيون المعرفة التي تتدفق عبر التقنية المعلوماتية الحديثة، ستكون له قدرة نوعية، على بناء عالم جديد، تصير فيه الحرية شهيق الحياة وزفيرها، ويهفو إلى السلام، الذي يضيء الدنيا بنعمة الرفاهية. في لولب هذا الزمن تتحرك قوة لا نعلم مداها، لكنه على الرغم من كل الهنات، سيكون الزمن الواعد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الزمن اللولبي الزمن اللولبي



GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

GMT 09:40 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

نيران إسرائيلية صديقة!

GMT 09:38 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

عودة رواد الفضاء

GMT 09:36 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هولاكو وأمير المؤمنين

GMT 09:35 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هل ضعفت مناعة لبنان؟

GMT 09:33 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt