توقيت القاهرة المحلي 23:17:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من أجل عقل ينير

  مصر اليوم -

من أجل عقل ينير

بقلم : عبد الرحمن شلقم

القرن الرابع الهجري، كان حلقة تاريخية شهدت حيوية فكرية، غير مسبوقة في التاريخ الإسلامي. الدولة العباسية في شبابها امتلكت مقومات القوة المادية والعسكرية والفكرية. انفتحت على الفكر الإنساني، وهفا إلى عاصمتها الفقهاء والمفكرون وعلماء اللغة. كانت قصور الحكام منتدياتٍ للحوار، يلتقي فيها المفكرون والشعراء والسياسيون بمن فيهم الخلفاء والوزراء. عصر عقل وإبداع واجتهاد في الفقه، والأدب، والفلسفة والسياسة. زمن له حمولة ضوء إنسانية فريدة، تفاعلت فيه المذاهب الفقهية الإسلامية المختلفة. كان ذلك القرن زمن انطلاق النهضة في أوروبا، التي وُلدت في إيطاليا واتسعت في أطراف القارة القديمة، منها الفن، والأدب، والفكر والفلسفة. خاض معارك طويلة مع سطوة الكنيسة المسيحية الجامدة، في حين بدأ الوهن يضرب كيان الدولة العباسية. الصراع على السلطة في داخل الأسر الحاكمة، وتراجع مساحة الحوار والحرية الفكرية، وقمع تيار المعتزلة وغيرها. الهيمنة على عاصمة الخلافة تعددت أطرافهم، من البويهيين إلى القرامطة، ثم طوفان الغزو التتري.

اتسعت مساحة الضوء في العقل الأوروبي، وبدأت تضيق في دنيا العرب والمسلمين. في القرن السابع عشر، أقلعت أوروبا بقوة العقل العلمي، والفلسفة، والأدب والصناعة الحديثة، في حين هوى العرب والمسلمون، في وحل الظلام البهيم. بدأ في العالم عصر جديد بعقل إنسان جديد.

أدرك المسلمون أن العقل، هو القوة القادرة على دفعهم للالتحاق بالزمن الإنساني الجديد، بعدما عاشوا محنة الاستبداد التركي والاستعمار الأوروبي.

لقد خاض العقل الأوروبي، معارك عدّة وطويلة، ضد هيمنة الكنيسة على العقل، وعنفها الدموي في وجه العلماء والمفكرين، لكن هؤلاء حققوا النصر، وهدموا أسوار الظلام الكنسِية وأشعلوا أضواء الزمن الجديد.

اجتهد مفكرون عرب ومسلمون، على امتداد أوطانهم في مقاربات مختلفة، من أجل اجتراح بُنى فكرية تقود إلى النهوض، والولوج إلى الزمن الإنساني الجديد. لكن حالة مزمنة لم تغب عن تلك الاجتهادات، وهي ثقل الماضي الموروث. التراث التاريخي والفقهي، كان ولم يزل اليد الثقيلة، التي تلامس العقول وتحرك الأقلام. في معركة تحرير العقل الأوروبي، كان الاشتباك الفكري والفلسفي والعلمي الكبير، مع الموروث الديني الكنسي الظلامي المعادي للعقل. رجل الدين المسيحي الألماني مارتن لوثر، قاد ثورة احتجاجية على الكنيسة الكاثوليكية في روما، من داخل مذهبه في مطلع القرن السادس عشر، وترجم الإنجيل من اللغة اللاتينية إلى اللغة الألمانية، وكتب خمساً وتسعين رسالة نشرها في ألمانيا، سقت حدائق العقل الأوروبي اليافعة، بماء قيمة الإنسان المفكر العالم المبدع. المذهب البروتستانتي، الذي انتشر في شمال أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، قاد شعوبها إلى دنيا الابتكار والصناعة والإبداع والتقدم والحرية.

في عالمنا العربي تزاحمت الاجتهادات الفكرية على الطريق نحو النهوض، والالتحاق بالدنيا الجديدة التي أبدعها العقل. المفارقة التي لم تغب، كانت وما زالت هي إشعال ضوء زمن جديد بحطب رميم.

ما كتبه أو قاله فقهاء أو مؤرخو عصور ردمها تراب الماضي، هو ما يستضيء به أغلب من حاولوا إطلاق العقل العربي من قيد الظلام الثقيل. جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده وشكيب أرسلان، ومعهم ثلة من الذين شخَّصوا مرض الأمة، لكنهم لم ينجحوا في كتابة وصفة الترياق، القادر على الشفاء من الوهن المزمن. طه حسين المصري وخير الدين التونسي، شخصان عرفا خطوط الطول والعرض، لخريطة عقل الدنيا الجديدة التي يحلم العرب بالإقلاع نحو سمائها. طه حسين كتب الكثير في الأدب والتاريخ واللغة وغيرها، لكن الكتاب الذي أراه ومضة كانت يمكن أن تكون ناقوس يقظة، هو كتاب «مستقبل الثقافة في مصر». نشر طه حسين هذا الكتاب في العهد الملكي المصري سنة 1937 قبل ثورة يوليو (تموز). قدم في هذا الكتاب، مفهوماً موضوعياً للهوية بكل مكوناتها الجغرافية، والتاريخية، والثقافية والدينية. ماذا نأخذ من العقل الأوروبي الآن؟ أجاب طه حسين عن هذا السؤال، بطرح حزمة من الحقائق التي لا يُختلف حولها، وهي أن العلم مُكتسب إنساني مشاع. وقد أخذ العرب من الفلسفة اليونانية، ومن الفرس والرومان، وأخذ الأوروبيون الكثير من العلم والفلسفة والفكر العربي. قدم طه حسين في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» خطة عملية واسعة للتعليم في مصر، تتضمن توحيد التعليم بعيداً عن المذاهب الدينية، والتدريب بما يؤهل الشباب للدخول في معترك الصناعات. لو تبنت مصر هذا الكتاب، لحققت نهضة تأسيسية شاملة. السياسي والمفكر خير الدين التونسي، في كتاب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، وضع معالم تضيء نحو المسالك التي تقود إلى النهوض، اقتداءً بما سلكته أوروبا. في السنوات الأخيرة، تلاطمت بحار التفكير العربي، بموجات من الأفكار التي تتحرك نحو نقد العقل الموروث. من محمد عابد الجابري، وجورج طرابيشي، ومحمد أركون، وفؤاد زكريا، وعبد الله العروي ومراد وهبة وغيرهم. المأساة أن تلك الأفكار لم يكن لها فعل يغير ما راكمته عصور الظلام، في حين تندفع أعاصير التطرف والإرهاب الذي يلبس غلالة الجهل المقدس الموروث. وتستمر المعارك من أجل عقل ينير، ويحقق النهوض.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من أجل عقل ينير من أجل عقل ينير



GMT 21:15 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:53 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt