توقيت القاهرة المحلي 05:48:58 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حروب تتدافع في زمن ملغوم

  مصر اليوم -

حروب تتدافع في زمن ملغوم

بقلم : عبد الرحمن شلقم

لا أحد يستطيع اليوم أن يرسم مستقبل سنواتنا المقبلة. عنف الناس والطبيعة يغشى كل القارات من دون استثناء. حروب أهلية، وحروب دولية، ومعاناة بشرية يستوي فيها الغني والفقير. الحرب الروسية في أوكرانيا، كانت لسان اللهب الذي طاف على الكرة الأرضية، ومدَّ دخانه جوعاً وبرداً على أطراف الأرض. أكبر حرب يتابعها العالم منذ أن صارت وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة، هي الحاسة الطاغية التي تصنع وعي واهتمام البشر. حجم الدمار والضحايا، والمعاناة من الظلام والبرد والتهجير، كأنها كتائب الاستطلاع الأولى التي تنذر بالقادم الرهيب. ارتفاع صوت التهديد باستخدام السلاح النووي، هل هو صافرة الإنذار الأولى قبل الانفجار الكوني الرهيب؟ الغاز والنفط والحبوب والزيوت النباتية والسماد، ارتفاع الأسعار والتضخم والبطالة، حروب دخلت البيوت وطالت بطون البشر.
كل الحروب الكبرى التي شهدتها البشرية عبر التاريخ، كانت لها مقدمات، بها مشتركات وإن اختلفت القوى التي تحاربت فيها، والدوافع التي حركتها. الحرب الكبرى التي سميت فيما بعد بالحرب العالمية الأولى، كانت المولود المتفجر لزمن اتسع فيه الخوف بين القوى الكبرى. إمبراطوريات طالها الوهن، وأخرى ترى غيرها طريدة تركض وراءها. الإمبراطوريات الكبيرة؛ النمساوية المجرية، والقيصرية الروسية، والعثمانية، لحقها تصلب شرايينها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وكانت بريطانيا وفرنسا ومن بعدهما الولايات المتحدة، ترى أن عواصف عالمية تهب لتحريك مركب الزمن بما يخدم تطلعاتها. انتهت الحرب الكبرى ببروز عالم جديد. انهارت الإمبراطورية النمساوية المجرية والعثمانية، وهزمت ألمانيا، وروسيا القيصرية صارت في زمن جديد بنظام غير مسبوق وهو الشيوعية الأممية، وخرجت إيطاليا التي كان يفترض أنها من المنتصرين، خرجت شبه كسيحة اقتصادياً وعسكرياً، فكانت السيولة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي ولدت بينيتو موسوليني على رأس حركته الفاشية ليستولي على المملكة الإيطالية المعاقة. ألمانيا المهزومة والرازحة تحت عقوبات ثقيلة، هللت لطاغية آخر هو أدولف هتلر يقود حزبه النازي. فرَّت من أزمتها الاقتصادية، إلى الظلم والظلام والموت والدمار.
الأزمة المالية التي صعقت الولايات المتحدة الأميركية سنة 1929، وصل وباؤها إلى كل الدنيا، وكانت أوروبا من أكبر المصابين. ميدان حرب عالمية امتد ينتظر القادمين المسلحين، الذين بدأت السنوات تحركهم بسرعة متزايدة.
اليوم ونحن في عام جديد يحمل طبولاً تضربها رؤوس في الشرق والغرب، وتحفها نوازل طبيعية مرعبة. من جفاف وفيضانات ورعب مناخي جعل من الأرض كرة فاقت حرارتها قدرات الترمومترات على قياس درجاتها.
عالم يتقاسمه العنف. حروب أهلية، ومختنقات اقتصادية، وتحركات عسكرية تنذر بالويل والثبور. حرب روسيا على أوكرانيا حرب شديدة السخونة مع الغرب الأوروبي والأميركي. لا يمر يوم إلا وتعلن الولايات المتحدة عن تقديم المزيد من السلاح والأموال إلى أوكرانيا. القتلى من الجانب الروسي يتزايد عددهم كل يوم، والأوكرانيون رغم معاناتهم من الدمار شبه الشامل ما زالوا يصعّدون مساحة وعنف مواجهتهم للعملاق العسكري الروسي. الصين الكون البعيد والقادم بقوة إلى هذا الزمن، تساهم في تفاصيل تكوينه. قوة اقتصادية صاعدة وعسكرية ضاربة، تخوض حربها مع الجميع بتكتيك مبتكر. حرب بلا سلاح أو جنود. تتحرك سفنها البحرية في بحر الصين، وتحلق طائراتها على حافة جزيرة تايوان، لتقول إنها لن تقبل بانسلاخ تايوان عن الوطن الأم. الولايات المتحدة الأميركية ترد على التحرك الصيني بلغة الإشارة المجنزرة. الصين يدها على كتف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعيناها تنظران بحذر محسوب إلى القوى الأخرى الفاعلة. اليابان التي عاشت عقوداً في خدرها الاقتصادي الناعم الكبير، دخلت محفل التسلح وتطوير قدراتها العسكرية، والجميع يدرك أن ذلك ليس سوى استجابة لطلب مباشر من الولايات المتحدة. في شرقنا الأوسط، الذي صار شرخاً أوسطاً. حروب أهلية في بقع حساسة. في ليبيا وسوريا والعراق واليمن. تتغير الحكومات الإسرائيلية ولكنها تزداد انزياحاً نحو التطرق اليميني.
بنيامين نتنياهو الذي جعل من التهديد الإيراني سلماً يرتقي به في كل مرة إلى كرسي رئاسة الحكومة، سيبدأ العد التنازلي للقيام بعمل عسكري ضد إيران. هو يرى أن البقرة الإيرانية تدر حليبها ضعفاً، وسيمد يده العسكرية للضغط على ضرعها. إيران تعيش منذ شهور ثلاثة في خضم حرب اجتماعية حقيقية، قُتل فيها أكثر من خمسمائة شخص، وغصت السجون بالمعتقلات، وأحكام الإعدام على الرجال والنساء صارت وجبات يومية. الصدام الإيراني الإسرائيلي سيكون له صدى متفجر في سوريا ولبنان والعراق وحتى اليمن. تركيا تخوض حرباً ضد الأكراد على جبهة تمتد من سوريا إلى العراق، ولا يغيب التوتر بينها وبين اليونان.
في القارة الأفريقية يختلط الإرهاب بالجوع والبطالة والتدخلات الخارجية، أما طوفان الهجرة نحو دول الشمال فلا يتوقف.
الأرض حبلى بزمن متفجر، متى يبدأ طلق الولادة؟ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو من يقف إلى جانب السرير الأبيض الذي تتمَّدد فوقه الأوقات الحبلى. هو ليس ذلك الشاب اليوغوسلافي الغر المتشدد الذي أشعل الحرب الكبرى الأولى، ولكنه الجنرال الروسي الذي لم يخلع رداءه الأحمر السوفياتي، وما زال مسكوناً بعظمتي روسيا القيصرية والسوفياتية. تراجعه في أوكرانيا يعني بالنسبة له انحناء روسيا أمام الزمن الغربي بذراعيه الأوروبية والأميركية.
أوروبا غير الموحدة في قراءة خطوط خارطة هذا الزمن المتفجر، تتفق على البحث عن باب تخرج منه بأقل الأضرار، سياسيوها يدركون خطورة هذا الوضع الدولي الذي يزداد سخونة كل يوم، وهي في تماس جغرافي وبشري مع أوكرانيا وروسيا، وأي غبار نووي ينطلق من روسيا سيدخل بيوتها، ويزيد الأزمات الاقتصادية طوفاناً وليس مجرد بلَّة. أوروبا هي المراقب الأول لحركة الرئيس الروسي حول السرير الأبيض للزمن المنتفخ.
نتابع ما تقول الصين، ونراقب ما تفعل. كلاهما، القول والفعل، يذكرنا بقول الشاعر المتنبي، فيلسوف كل الأزمان:
مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حروب تتدافع في زمن ملغوم حروب تتدافع في زمن ملغوم



GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:16 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية
  مصر اليوم - نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية

GMT 19:41 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس
  مصر اليوم - ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt