توقيت القاهرة المحلي 16:20:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عباس يلقي حجراً في المياه الراكدة

  مصر اليوم -

عباس يلقي حجراً في المياه الراكدة

بقلم: نبيل عمرو

أصدرَ الرَّئيس محمود عباس مرسوماً حدَّد فيه موعدَ إجراءِ الانتخابات التشريعية والرئاسية، بعد أن كانَ الاتجاهُ الذي رسمَه الرئيسُ نفسه يذهب إلى إجراء انتخاباتٍ للمجلس الوطني، نُظر إليها على أنَّها بديلٌ عن التشريعي والرئاسي.

منذ آخر انتخاباتٍ عامة دخلتِ الحياةُ السياسيةُ الفلسطينيةُ المعتادةُ على الحركةِ والحيوية، في حالةِ ركودٍ مميت، بحيث سُيّرت أمورُ السُّلطة بإجراءاتٍ إداريةٍ غالباً ما كانت تلقائيةً ومرتجلة، وكذلك بمراسيمَ رئاسيةٍ تكرّست كبديلٍ عن المؤسسات المنتخبة، التي وحدَها من يمتلك حق إصدار التشريعات المتصلة بشؤون السلطة والمجتمع.

منذ عام 2006، الذي جرت فيه آخرُ انتخابات تشريعية، وكذلك منذ عام 2005 الذي جرت فيه انتخاباتٌ رئاسيةٌ بعد رحيلِ الزَّعيم ياسر عرفات، تعرَّضتِ الحالة الفلسطينية إلى أفدح الكوارث، فقد وقعَ الانقسامُ الذي لا يزال قائماً، وتحوّل السَّلامُ المنشودُ جرّاء أوسلو، إلى حربٍ ضروس فرضت على الفلسطينيين في الضّفة والقطاع والقدس، حتى بلغت حرب الإبادة على غزة، وحرب تعزيز السيطرة على الضفة.

وظهرت وبقوةٍ استثنائية تحديّاتُ التهجير والضمّ، كعناوين لمضمونٍ واحدٍ هو تصفية القضية الفلسطينية، بتدمير البنية التحتية لبقائها وإمكانات حلّها وهي الأرض والناس.

خلال سنوات الجمود الداخلي، وانغلاق الآفاق نحو استكمال ما بُدئ به في أوسلو، طُرح فلسطينياً هدفُ الحفاظ على ما تبقى من إمكانية استمرار وجود القضية الفلسطينية على قيد الحياة، وطُرح دولياً مطلبُ إصلاح السلطة، كي تكونَ جديرةً بتمثيل الفلسطينيين في أي أمرٍ يتصل بهم وبقضيتهم.

مطالبُ الإصلاح المطروحة من قبل الدول المتصلة بالشأن الفلسطيني، أميركا وأوروبا وإسرائيل، كانت من النوع الذي لا تستطيع السلطة أداءَه بالحرفية التي يريدها المطالبون بها، بينما الإصلاحُ الذي يُجمع عليه الفلسطينيون يختلف كثيراً، وهو مفضّلٌ من قبل الأوروبيين وباقي دول العالم، وأساسه الذهاب إلى انتخاباتٍ تشريعيةٍ ورئاسية.

حاولتِ الرسمية الفلسطينية بناء مسارٍ للإصلاح، يختلف جوهرياً وإجرائياً عمّا هو مطروحٌ دولياً، وهو استبدال الانتخابات العامة التشريعية والرئاسية، بانتخابات المجلس الوطني، وافتتحت مساراً آخر بدأ بانتخابات الشبيبة الفتحاوية، ثم الانتخابات المحلية، والانتخابات الفتحاوية، غير أن ذلك على أهميته المحلية، إلا أنَّه بدا بالنسبة للعالم، على أنَّه لعبٌ خارج الملعب.

لم يُعتمد هذا المسار كبديلٍ عن الانتخابات التشريعية والرئاسية، وقد استفاد منه الرئيس ماكرون، ليقولَ للرئيس عباس ما دمتم قادرين على فعل ذلك كله، فلم لا تجرون الانتخابات الرئاسية والتشريعية؟

كلّ شيءٍ فلسطيني صار متصلاً سلباً بأميركا وإسرائيل، وإيجاباً ولو بنسبة فاعليةٍ محدودةٍ بالعالم، وتحديداً الدول العربية والإسلامية كطليعة، وباقي دول العالم كمتضامنين وداعمين، وهؤلاء جميعاً يريدون رؤية واقعٍ فلسطينيٍ مواتٍ لإدخال القضية المزمنة إلى مسار حلٍّ واقعيٍّ أساسه الدولة، والطريق إلى ذلك يتطلّب إصلاحاً حقيقياً في السلطة يؤهلها للمشاركة في الحلول، بدءاً مما هو متعثرٌ في غزة، ثم ما هو غامضٌ حتى الآن بشأن الضفة.

إنَّ ما يجافي الحقيقة والواقع هو تجاهل تأثير العامل الخارجي في الأوضاع الداخلية الفلسطينية حتى في أدقّ تفاصيلها، وذلك بفعل الحاجة للدعم المالي والسياسي، وفي عالمنا لا يوجد دعمٌ خيري يقدّم لوجه الإنسانية والتعاطف الأخلاقي، فكلّ شيءٍ له ثمنٌ سياسيٌ لا بدَّ من أن يقدّمه المحتاج للدعم، وإلا فليعتمد على نفسه إن استطاع.

الرئيس عباس لا يزال هو العنوان الرسمي للحالة الفلسطينية، وأزماتها ومداخلها ومخارجها، والرَّجل على قدرٍ من الواقعية والبراغماتية يؤهلانه للتمييز بين الشعار الشعبوي المتداول في البيانات والخطب، والمتطلبات المحرجة التي يتعيَّن عليه الوفاء بها كي تتوفر فرص الحل، ولو بصعوبةٍ وحتى لو لم تكن مضمونة.

السلطة الفلسطينية الرَّازحة تحت سطحٍ جليديٍّ سميك من جمودٍ داخليٍّ وسياسيٍّ خارجي، لا تملك ترفَ إدارة الظهر لمن تطلب الدعم منهم، خصوصاً الأشقاء العرب والمسلمين والأوروبيين الذين يريدون رؤية نظامٍ فلسطيني، يكتسب صدقيته وجدارته من رضا مواطنيه عليه، وقدرته على أداء دوره بصورةٍ صحيحة، بعيداً عن الحالة الراهنة التي بفعل الانقسام المستفحل أثارت سؤالاً لا يزال متداولاً مع من يجري التفاوض؟ ومن يمثّل الفلسطينيين؟

قرار عباس الذي تأخر طويلاً وطويلاً جداً، جاء كإلقاء حجرٍ ضخمٍ على سطح ماء راكد، ودون تحميل الأمور أكثر مما تحتمل، فيمكن اعتباره خطوةً في اتجاهٍ مطلوب، ولكن إن لم ينفّذ بكل ما تتطلبه الانتخابات العامة من نزاهةٍ وشفافيةٍ وإجراءاتٍ مقنعةٍ للفلسطينيين قبل العالم، فالتدهور سوف يستمر وحينها حتى الإدارة بمراسيم لن تنفع.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عباس يلقي حجراً في المياه الراكدة عباس يلقي حجراً في المياه الراكدة



GMT 09:12 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النظام الإيراني... على طريقة صدّام

GMT 08:59 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

ناس من راس بيروت

GMT 08:50 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النَّووي السّعودي والأسئلة الصَّعبة

GMT 08:45 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب

GMT 08:40 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الكويت والبحرين و«ردع» الخليج

GMT 08:03 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الزيارة الأميركية والإمكانات الحاضرة

فساتين هنا الزاهد النهارية تجمع بين الأنوثة والعصرية

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:51 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

عيوب خطيرة تتسبب في سحب 4.3 مليون سيارة فورد

GMT 10:44 2022 الخميس ,21 إبريل / نيسان

نانسي عجرم بإطلالات أنيقة وجذابة

GMT 13:52 2021 الخميس ,06 أيار / مايو

الكشف عن سكودا فابيا 2022 الجديدة كليا

GMT 14:50 2020 الخميس ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

دياب يشارك فى بطولة "نسل الأغراب" مع أحمد السقا وأمير كرارة

GMT 20:08 2020 الأحد ,28 حزيران / يونيو

روسيا تسجل 6791 إصابة جديدة بفيروس كورونا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt