توقيت القاهرة المحلي 12:38:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إسرائيل وأعباء الجرعات الزائدة!

  مصر اليوم -

إسرائيل وأعباء الجرعات الزائدة

بقلم: نبيل عمرو

في السّياسة أمورٌ تشبه ما في الطب، منها مثلاً الأثر العكسي للجرعات الزائدة في العلاج.

نقرُّ ونعترف، ومن خلال الصراع طويل الأمد مع إسرائيل، بأنَّها دولةٌ قوية، فهي الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك سلاحاً نووياً، وهي المتفوّقة في مجال السّلاح التقليدي، وقوامه الطيران الذي يستطيع التحليقَ لساعاتٍ في الأجواء، وأن يقصفَ أي مكانٍ تقرّره غرفة العمليات في تل أبيب، وهي المتفوّقة في تحالفها الشامل مع أقوى دولةٍ في العالم، وفي علاقاتها الراسخة مع دول الغرب والشرق من أوروبا إلى روسيا إلى الصين.

ولقد أثبتت قوتَها وتفوقها من خلال قدرتها على تغيير المفاهيم السائدة عنها؛ مثل أنَّها لا تستطيع خوض حربٍ طويلة الأمد، ولا تتحمل خساراتٍ بشريةً فيها، كما لا تقوى على المحاربة على جبهاتٍ متعددةٍ في وقتٍ واحد، فإذا بها تفعل ذلك كله، وفوقه يجري البحث عن جبهاتٍ جديدة، ليس آخرها جبهة السويداء في سوريا، التي هي أحد عناوين ما تسميه جبهة حماية الأقليات في منطقةٍ تكتظّ بها من كل الصنوف والتسميات.

وعلينا ونحن نقرّ ونعترف بكل ذلك، أن نلقيَ نظرةً على جبهات خصوم إسرائيل ومحاربيها، لنرى ازدواجيةً تبدو غير منطقية في تقويم القوة الإسرائيلية، فهي في بعض الأدبيات أوهَى من خيوط العنكبوت، وهي المهزومة حتماً وفق مبدأ انتصار الدّم على السّيف، وأشياء كثيرةً من هذا القبيل، أقل ما يقال فيها أنَّها غير واقعية في تقويم الخصم، وما ينتجُ من خسائر فادحةٍ على الأرض.

غير أنَّ للحقيقة وجهاً آخر يتَّصل بمبدأ القوة المتفوقة، وخساراتها المحققة، بفعل وقوع صنّاع القرار في حالة غرور تعمي البصيرة، وتضلّل الحسابات وتحوّل فائض القوة والتفوق إلى عبءٍ أكثر منه ميزة يُعتد بها ويُبنى عليها، وهذا ما وصفته في مطلع هذه المقالة بالجرعات الزائدة.

فلسطينياً... امتلكت إسرائيل قوةً عسكريةً متفوقة، دمّرت غزة واستوطنتِ الضفة وأدامتِ الاحتلال عقوداً طويلة، قتلت خلالها مئات الألوف واعتقلت أضعافهم، وأعاقت النمو الطبيعي لشعبٍ ومجتمع.

والسؤال: أين هي الجرعة الإسرائيلية الزائدة في كل ذلك؟

إنَّها وفق أدبيات قادتها هي السعي لتصفيةٍ نهائيةٍ لشعبٍ يعد ستةَ عشرَ مليوناً، نصفهم على جغرافيا فلسطين المحتلة والتاريخية، والنصف الآخر ينتشر على سطح الكوكب، ويتحد كل واحدٍ منهم على صفة لاجئ، حتى لو كان رئيسَ دولةٍ في بلادٍ ما.

وفي ثنايا هذه الجرعة الكبيرة، توجد جرعاتٌ لا قبل للتفوق الإسرائيلي على ابتلاعها، منها مليونا فلسطيني يحملون الجنسية الإسرائيلية، ولم تجدِ الدولةُ المتفوقةُ وسيلةً فعّالة لترتيب علاقةٍ مستقرةٍ معهم، ومنها القدس التي ضمّتها إسرائيل بقرار في أوائل يونيو (حزيران) من عام 67، وسمّتها العاصمة الموحدة للدولة، وأي عاصمة نصف سكانها لا يعترفون بوضعها، ويتحدون مع شعبهم في اعتبار الجزء الشرقي منها عاصمةً لدولتهم الفلسطينية؟ ومنها كذلك التهجير من غزة والضفة، وهو ليس مجرد جرعة زائدة؛ بل هو التحدي الأكبر والدائم الذي أنتجته الملايين التي قررت البقاء على أرضها، حتى لو اضطرت لمكابدة جرائم المستوطنين والجيش واحتوائها وليس الإذعان لها.

الجرعة الفلسطينية الزائدة العصيَّة على الابتلاع فكيف الهضم، تضاف إليها جرعات أكبر بكثير وما هو راهنٌ منها الآن... الجرعة السورية، التي عنوانها حماية الأقليات بتدمير الكيان السوري عبر تقسيمه وتمزيقه، وتشتيت دولته تحت عنوانٍ غير منطقي هو حماية الأقليات؛ والدروز من ضمنها، ذلك دون الانتباه إلى أنَّ الدروز في إسرائيل يعانون كغيرهم من قانون القومية الذي يعدّهم مجردَ سكّانِ أمر واقع ليس أكثر، وكان الدروز هم الأنشطَ ممن اعترضوا عليه وقاوموه.

غير أنَّ الجرعةَ الأكبر بعد الفلسطينية والسورية هي السيطرة على الشرق الأوسط، ورسم خرائط إسرائيلية لكياناته ومجتمعاته ومصائره، وها نحن نرى بأمّ العين، وعبر معطيات الواقع، أين وصلت أحلام السيطرة على الشرق الأوسط.

فإذا كانت غزة التي بمساحةِ مدينة متوسطة استهلكت عامين من حربٍ كبرى دون حسم، فكم من الوقت تحتاجه إسرائيلُ للسيطرة على الشرق الأوسط؟

إسرائيلُ تستند إلى احتياطي أميركي لا غنى عنه في نزاعاتها الداخلية، ولا غنى عن سلاحه في حروبها جميعاً، ولا غنى عن نجدته حين تتورَّط في معركة صغيرة أو كبيرة، وحتى أميركا الكبيرة والقوية والداعمة، لم تعُد قادرةً على التعايش مع جرعات إسرائيل الزائدة، وإذا ما حكّمنا المنطق في تقويم ما يجري، فأميركا لا بدَّ أن ترى يوماً ما في الجرعات الزائدة ورطةً لها، وعبئاً عليها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إسرائيل وأعباء الجرعات الزائدة إسرائيل وأعباء الجرعات الزائدة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt