توقيت القاهرة المحلي 20:07:33 آخر تحديث
  مصر اليوم -

زيارة للشرق الأوسط الجديد

  مصر اليوم -

زيارة للشرق الأوسط الجديد

بقلم: نبيل عمرو

نحن سكان الشرق الأوسط، خصوصاً الجيل الذي بلغ السبعين والثمانين وحتى التسعين، عشنا الشرق الأوسط القديم، ومن بقي منا على قيد الحياة، ويملك ذاكرة لا تزال تعمل، يتذكر فصول تاريخٍ تركزت فيه أحداثٌ كبرى على مدى زمني قصير؛ حيث حربان عالميتان، وعشرات الحروب من مختلف الأصناف، تحررية وأهلية وإقليمية، وبفعل ما عشناه تلقفنا بشوقٍ فكرة الشرق الأوسط الجديد، وعشنا مقدماته الواعدة، التي أيقظت في نفوسنا آمالاً كانت تبدو مستحيلة التحقيق، وهل هنالك ما هو أجمل من أن تحل القضية الكبرى بتسوية متهاودة لا يموت فيها الراعي ولا تفنى الغنم، وأن تصبح منطقتنا الممر الآمن للمشروع الصيني أو الهندي التجاري، الذي يفتح بواباتٍ واسعة بين الشرق والغرب، بما يتطلبه ذلك من هدوءٍ واستقرارٍ شاملين في منطقة لم تعرف الهدوء والاستقرار منذ بداية الخليقة حتى آخر حربٍ لم تضع أوزارها؟!

هكذا فكّرنا وتأملنا، حتى صارت جملة «الشرق الأوسط الجديد» الأكثر تداولاً في حياتنا، وصار الحديث عنه والسعي إليه نافذة أملٍ نطل منها على مستقبلٍ خالٍ من الحروب والاضطرابات والصراعات الفتّاكة، حتى تخيلناه درب خلاصٍ تَشَارَك العالم كله في رسمه وتعبيده وتهيئته للعمل.

في فجر يومٍ خريفي، وبضربة واحدة، عاد الشرق الأوسط القديم إلى هوايته المفضلة، وهي إنشاء الحروب، دون معرفة مساراتها وخلاصاتها، يُعرف كيف تبدأ ولا يُعرف كيف تتوقف، وهذا هو طابع حروب الشرق الأوسط منذ وُجِد على خريطة الكون؛ إذ لا حرب بدأت فيه وتوقفت، حتى حين كانت الحروب تؤدي إلى معاهداتٍ تنهي القتال على جبهاتها الأساسية، إلا أنها كانت تنتج صراعاتٍ وحروباً على جبهاتٍ أخرى، بما يهدد بالتهام معاهدات السلام واستبدال الحروب العسكرية التي توقفت على ساحاتها بتهديدٍ عميقٍ وقريبٍ لأمنها واستقرارها.كلمة جديد كما ثبت ذلك منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لم تكن لتعني الأفضل كما نسجته الأمنيات، فإذا بنا نرى الجديد يرتسم على هيئة حروبٍ أشرس وأوسع، تلامس في القرن الحادي والعشرين حدود الاشتعال النووي، وكأن التاريخ يعيد نفسه حين حُسمت الحرب العالمية الثانية بالقنابل الذرية، مع فارق أن ما يجري في القرن الحادي والعشرين هو حربٌ كونية بالتجزئة، وقد تتحول بالجملة لو أخطأ صاروخٌ هدفه لينفجر في مفاعلٍ نووي وهذه المرة شرق أوسطي.

القطب النووي الثاني الذي مثَّله الاتحاد السوفياتي في القرن الماضي، وتمثله الآن روسيا بوتين، يتحدث عن احتمالاتٍ متزايدة لحربٍ كونية تلتقي فيها المسارات والمصائر، وشرقنا الأوسط ليس بعيداً عنها؛ ففي هذا العصر، صارت غزة أقرب إلى أوكرانيا، وصارت تل أبيب في مرمى نيران طهران والعكس بالعكس، والمفاعلات النووية بما فيها من قنابل جاهزة أو قيد التجهيز، حين تُقصف، فإشعاعاتها القاتلة تلفّ الكون كله، ولنتذكر حكاية «تشيرنوبل»، حين تسرّبت من مفاعله السوفياتي جزيئياتٌ قليلة من الإشعاعات، فما الذي حدث؟ وأين النجاة من تسرُّب أكبر قد ينطلق من «فوردو» أو «بوشهر» أو غيرهما مما هو معروف أو مختفٍ؟

الشرق الأوسط الذي استعاد القديم فيه طبائعه وقوانينه الخاصة به، التي هي «اللاقوانين»، يبدو الآن على صورة كارثة متدحرجة، والمفاعل الأكثر إنتاجاً للخطر هو استسهال إسرائيل مثلاً لإبادة شعبٍ، مثلما تفعل في غزة، وإرسال طائراتها إلى أقصى مدى تصل إليه في مهمة إقامة «الشرق الأوسط الجديد»، وفق المنظور الإسرائيلي، وتردّ إيران بقصف حيفا؛ حيث أخطر منشأة فتّاكة تقع على شاطئ بحرها، لو تفجرت فلا أحد يعرف على أي مساحة تمتد دائرة الموت.

ومن جنوب لبنان الذي هو جمرُ تحت الرماد، إلى مضيق هرمز حيث الإغلاق المحتمل ولو بالتلغيم، ومن الطوابير المكتظة بالجوعى في غزة، وحتى سوريا المشرعة أبوابها على الخطر، والعراق الجار الأقرب للحرب الواقفة على حدوده وغيره وغيره ممن يلامسهم الخطر.

هذا هو حال الشرق الأوسط. وإذا كان ما حل به هو الجديد فلا غرابة في أن تمتلئ نفوس ساكنيه بحنين للقديم، اللهم إلا إذا وقعت معجزة تخلّص الجديد من براثن القديم، وليس لنا إلا أن ننتظر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

زيارة للشرق الأوسط الجديد زيارة للشرق الأوسط الجديد



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt