توقيت القاهرة المحلي 14:47:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ألا في الفتنةِ سقطوا (1)

  مصر اليوم -

ألا في الفتنةِ سقطوا 1

بقلم: فاطمة ناعوت

التاريخُ مرايا، لو أمعنَّا فى صفحتها النظرَ، لمحنا شيئًا من الحاضر، والمستقبل كذلك. فالتاريخُ يُعيدُ إنتاجَ أوجاعِه، إذا سمحنا لأخطاء الماضى أن تتنفس فى وجه الحاضر. وبراعمُ الفتن الأولى التى أطلَّت من تربة التاريخ فى لحظات بعينها، قد تغدو مع الزمان أشجارًا سوداءَ، بملامح وأسماء جديدة. تلك هى «اللحظات» القديمة التى يصحبنا الدكتور المستشار «محمد الدمرداش العقالى» لنقفَ أمام مراياها، لكى نشهد لحظة ميلاد الفتنة الأولى، وكيف تردّد صداها فى كل عصر، بعدما استقوت وتجبّرت وغلُظت ملامحُها، عبْر كتابه الساحر: «ألا فى الفتنةِ سقطوا» الصادر عن «عصير الكتب»، وعُقدت حوله ندوةٌ ثريةٌ فى «معرض القاهرة الدولى للكتاب»، بإدارة وتحليل الناقدة والأكاديمية الجميلة الدكتورة «عزة هيكل». يفتح لنا «العقالى» بعض نوافذ تاريخنا الإسلامى الغنىّ، ساكبًا الضوءَ غزيرًا فى بضعة سراديب معتمة، كَمُنت فيها أفاعى الفتن، لولاها، صفا لنا وجهُ الرسالة النبيلة دون قطرة دماء واحدة، تسيلُ على الثوب الأبيض. هذا الكتاب الممتع، الذى استُلَّ عنوانُه البليغ من الآية الكريمة: «ومنهم مَن يقول ائذَنْ لى ولا تفتنّى ألا فى الفتنة سقطوا»، يرسمُ خطًّا سرديًّا متصاعدًا يبدأ بالخارجى الأول: «حرقوص بن زهير السعدى» الذى نثر البذرة المسمومة فى أرض الرسالة بعد موقعة «حُنين»، وينتهى بالمأساة الكبرى: استشهاد الإمام «على بن أبى طالب»، شهيد المحراب، على يد «حرقوص جديد»، هو الآثم: «عبدالرحمن بن ملجم». وبين هاتين اللحظتين، يمتدّ مسارٌ تاريخىٌّ طويل من «الخوارج»، تحول إلى تيار جارف من الفجاجة يُعتم وجه الحياة، ويشوّه الرسالةَ النبيلة، باسم الدين.

الكتابة عن «الفتنة» ومسارات تحوّرها وتبدّل وجوهها عبر العصور، ليست بالأمر اليسير، خصوصًا بهذا الأسلوب السردى الحكائى الجميل الذى نهجه الكتاب. فالتاريخ أصداءٌ لصوت المنتصر، وحكايةٌ يعيد تأويلها الزمانُ وفق ظرفه. إلا أن الدكتور «محمد الدمرداش العقالى»، بقلمه الروائى الرفيع، ومنهجه التوثيقى الصارم، لم ينزلق إلى هوّة الانحياز، بل أعمل مبضعَ الجرّاح ليُشرِّح جسدَ التاريخ ويُمعن النظرَ فى مكامن الوجع، مستعيدًا تفاصيلَ المشاهد الدامية، التى رفع فيها الخوارجُ شعارهم الأثير: «لا حكم إلا لله»، بعدما أخرجوه عن سياقه الفضيل، وأحالوه إلى صكّ تكفير واستباحة؛ فصارت كلمةُ الحق سيفًا للباطل. بأسلوبه العذب، يتتبع «العقالى» ميلاد تيار الخوارج، وكيف نجحوا، بدهائهم الخطابى، أن يُلبسوا الباطلَ ثوبَ التقوى، ليخدعوا العوامَّ، ويمضى التاريخُ فى درب العنف؛ بدلًا من الرحمة المبتغاة.

مع صفحات الكتاب، نعايش أصداء حرب صِفّين، ونرى المصاحفَ وقد شُهرت على أسنّة الرماح، ليتشكّل المشهدُ الأكثر عجبًا فى تاريخ الإسلام، رغم ظاهر شاعريته. فبدلًا من أن يظلَّ القرآنُ سبيلًا إلى العدل مثلما ينبغى له، صار حيلة سياسية بيد مَن لا يُحسن تأويله. وخسر «الإمامُ علىّ» كرم الله وجهَه، ليس المعركة فحسب، بل خسر بعض رجاله الذين كانوا أقربَ إليه من ظِلِّه، بعدما ابتلعتهم حيرةُ الفتنة. فى قلب العاصفة، يقف «الإمامُ علىّ» المفكّر العظيم، محاولاً تغليبَ «الحكمة» على مشهد محتدم، أمام «معاوية» الذى استملحَ «الفوضى» بزعم «القصاص لدم عثمان». فاشتعلت الفتنُ وبدأت الصدوعُ والشقوقُ والانقساماتُ تُطلُّ برأسها الأشوه فى متن الجسد الصلب. يتناول الكتابُ مأساة «الإمام علىّ»، لا بوصفه مِشعلا نيّرًا وحسب، بل باعتبارها نموذجًا خالدًا للصراع الأبدى بين الرُّقىّ والانتهازية، وبين الحكمة والطمع. نتعرف عبر سطور الكتاب على «الإمام على» البطل والإنسان الذى كان عليه حسم لحظة مفصلية، وخوض حرب ضد أعداء الخارج وأعداء الداخل فى آنٍ واحد. وبهذا، يرسم الكتابُ صورة أكثر عمقًا لهذه الشخصية العظيمة، بعيدًا عن الإسقاطات الأيديولوجية.

هذا الكتابُ ليس مجرد عملٍ تأريخىّ مكتوب بمداد الأدب الرفيع، بل شهادةٌ تتجاوز زمنها، تطرح السؤال اللحوحَ: «هل انتهتِ الفتنةُ، أم مازلنا ندور فى رحاها، بأسماء جديدة وأقنعة مختلفة؟!» اليوم، لا يُشهر التكفيريون المصاحفَ على أسنّة الرماح، بل يُشهرون شعاراتٍ براقةً، ليقنعوا البسطاءَ بأنهم الناطقون باسم الدين. وكما تُوسِّل شعارُ: «لا حكمَ إلا لله» قديمًا لشرعنة القتل والدم، تُستخدم اليوم عباراتٌ جديدة، لتبرير الإقصاء والتكفير، وربما الدمار الشامل. هنا، يتحول الكتاب إلى مرآة «ميدوزا» المرعبة، تعكس الهولَ والنذير، إذا لم نتعلم من دروس التاريخ. فالمستشار «العقالى» لا يكتب للتاريخ، بل للحاضر والمستقبل؛ فى محاولة جادّة لوأد فتن جديدة، قد تكون أشد فتكًا من سابقاتها. «ألا فى الفتنة سقطوا» ليس كتابًا ماضويًّا، بل تحذيرٌ صارخ من أن الفتَن لا تموت، بل تتربّصُ بنا، تنتظر أن نكرر أخطاء مَن سبقونا. كتابٌ يعيد قراءة الماضى بروح الباحث عن الحقيقة؛ علَّنا نكتشف أن «الحكمة» وحدها قادرة على هزيمة الفتن، التى إذا اشتعلت، لن تُبقى لنا إلا الرماد. وأُكمل يوم الاثنين القادم بإذن الله رحلتى مع هذا الكتاب الغنىّ.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ألا في الفتنةِ سقطوا 1 ألا في الفتنةِ سقطوا 1



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt