توقيت القاهرة المحلي 11:18:58 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سنة حلوة بالحب.. شكرًا ستّ «عفاف»

  مصر اليوم -

سنة حلوة بالحب شكرًا ستّ «عفاف»

بقلم: فاطمة ناعوت

بينما تُجهّزُ لنا طعامَ الغداء، راحت، بعفوية وبساطة، تحكى كعادتها ما حدث معها بالأمس من مواقفَ وطرائف. ومن بين الحكايا قالت: (وأنا فى الباص بتاع المنشية إمبارح، كان قاعد قدامى ٣ بنات قمرات، تقريبًا كانوا رايحين دير «سمعان الخراز» عشان شوفت صليب على إيديهم. لما عينى جات فى عينهم قلت لهم: «كل سنة وأنتم طيبين يا حبايبى. ميرى كريسماس وعيد ميلاد مجيد». بصوا لبعض فى دهشة، فقلت لهم: «إنتوا زى بناتى، سنة سعيدة عليكم يا رب». المهم لما جيت أنزل من الباص فى المنشية، والسِّلّمة عالية ورِجلى بتوجعنى زى مانتى عارفة، لاقيتهم جريوا عليا بيساعدونى أنزل!). لم يكن الهدف من حكايتها القصيرة هذه أن تقصَّ ما فعلتْه مع البنات، بل كان الهدفُ أن تصفَ لى طيبة البنات وتسابقهن على مساعدتها. من طوال عشرتنا معًا، على مدى سنوات العمر، كانت تعرفُ ما معنى «الخدمة» فى الأدبيات المسيحية. وكثيرًا ما رافقتنى فى رحلات خَدَمية فى القاهرة وخارجها مع أشقائنا المسيحيين، وتعرّفت معى على «خُدّام» و«خادمات» من أولئك الأنقياء الذين يرعون دور المسنين ودور الأيتام ويساعدون المرضى والفقراء وكل ذى حاجة وعَوَز. لهذا قصّت عليَّ حكايتها لكى تؤكد لى، وكأننى لا أعلم، أن الخادمات الجميلات أولئك، لا يفرقن فى خدمتهن بين مسلم ومسيحى، بل يقدّمون الحب للجميع. بطلةُ مقال اليوم وصاحبة الحكاية هى كنزُ حياتى وسَنَدى ورفيقة مشوارى السيدة المحترمة «عفاف طه إدريس» أو «أم محمد»، كما يُطلقُ عليها جيرانُها فى منشية ناصر.. هى مديرة منزلى ومربية أولادى، والتى يعتبرُها صغيرى «عمر» أمَّه الثانية.

لهذه السيدة الجميلة مواقفُ حضارية كثيرة منذ صباها الأول. بعدما أنجبت طفلها الأول، الذى يناهز اليوم خمسة وثلاثين عامًا. كانت جارتها المسيحية قد أنجبت طفلَها كذلك، لكنها رحلت عن الحياة وتركت رضيعَها لا يتوقف بكاؤه جوعًا وعطشًا وحرمانا من دفء الأم. فما كان من الأم الصغيرة «عفاف» إلا أن أخذت ابن جارتها وأرضعته مع رضيعها حتى فطمتهما معًا. كانت تفعلُ هذا سرًّا خوفًا من رفض زوجها «الحاج يوسف». وبعد بضعة شهور من تأنيب الضمير قررت أن تخبره بالحكاية وهى تدعو الله أن يتقبّل الأمر. وفوجئت به يقول: (لو لم تفعلى هذا، لحزنتُ منك. هذا واجبنا أمام الله)، وصار لهذه الأسرة المسلمة الجميلة ابنٌ مسيحىّ اسمه «أمجد»، صار اليوم رجلا فى الخامسة والثلاثين من عمره، أخًا لأبنائها الخمسة بالرضاع.

هذه السيدةُ الجميلة لم تقرأ فى التنوير، ولا فى حقوق المواطنة، ولا فى حقوق الإنسان. لم تقرأ «قانون ماعت» إذ يقول: «كنتُ أبًا لليتيم، وعينًا للأعمى، وساقًا للكسيح، ويدًا للمشلول»، لم تقرأ الحديثَ الشريف: «أنا وكافلُ اليتيم كهاتين فى الجنّة». لم تقرأ «العقد الاجتماعى» لـ «جان جاك روسّو»، ولا قرأت «رسالة فى التسامح» للمفكر الفرنسى «جون لوك»، ولا قرأت «المواطنة المتساوية» للدكتور «محمد عابد الجابرى»، فهى فى الأساس لا تقرأ ولا تكتب. لكن فطرتها النقية وقلبها السليم، وثقافتها العقلية والروحية والنفسية، جعلتها تقرأ «كتاب الحياة» على النحو الأكمل والأجمل.

ماذا يريدُ المرءُ أكثرَ من هذا ليتأكد أن التحضر لا يحتاجُ إلى «شهاداتٍ عُليا» بل إلى «نفوس عُليا»!.

ماذا يريدُ المرءُ أكثرَ من هذه المواقف الإنسانية العفوية الجميلة بين المسلمين والمسيحيين لكى يتأكد لنا أننا نعيش لحظة حضارية جميلة، أدامها اللهُ علينا؟!

ماذا يريدُ المرءُ أكثر من هذا ليتأكدَ أن الجمال والطيبة مَلكاتٌ مغروسةٌ بالفطرة فى نفوسنا بأمر الله تعالى منذ ميلادنا، وكل ما علينا هو مكافحة أن تنتزعها يدٌ باغضة أو حناجرُ زاعقة تنادى بالفرقة والشتات والتمييز والبغضاء.

ماذا يريدُ المرءُ أكثرَ من هذا ليتأكد أن العنصريةَ والطائفيةَ والتنمّر على المختلف العَقَدى، جميعَها بلاءاتٌ وأمراضٌ خبيثة وويلٌ مقيتٌ نحمدُ اللهَ أن تخطّانا ولم يُصبنا، وندعو لمن أصابته سهامُه بالشفاء والعفو والبراء.

هذه السيدةُ الجميلة كثيرًا ما رافقتنى فى زيارات لدور مسنين ودور أيتام. وتقوم بدورها التنويرى فى الحى الشعبى الذى تسكنُ فيه حتى صارت لسان الحقوق والمواطنة تتكلم مع جيرانها بلسان حضاريّ بسيط، فتعلّم أبناءَ حيّها ضرورة نبذ التطرف وقيمة نشر مبادئ السلام والمحبة بين الجميع.

فى بداية العام الجديد ٢٠٢٥، قررتُ أن يكون أول مقالاتى فيه هديةً لهذه الجميلة التى ترافقنى رحلتى الشاقّة الشيقة مع صغيرنا الجميل «عمر»، وأردِّدُ معها دعاءها الذى تقوله كل فجر: «ربنا يطعمنا فيك يا عُمر». أقول لها «شكرًا»، وكل عام وقلبُها نظيفٌ نقىّ كما هو. وكل عام ومصرُ غنيّة بشرفائها من جميع المشارب والثقافات. عام سعيد على الجميع، اللهم اجعله عامًا طيبًا على جميع البشر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سنة حلوة بالحب شكرًا ستّ «عفاف» سنة حلوة بالحب شكرًا ستّ «عفاف»



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt