توقيت القاهرة المحلي 19:50:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحرب!

  مصر اليوم -

الحرب

بقلم: فاطمة ناعوت

امرأة تُخرج مفتاحَ البيت من جيب معطفها بعد القصف، ثم تعيده؛ لأن البيت صار طللا. رجلٌ يقف فى طابور الخبز منذ الفجر، لأنه وعد أطفاله أن طقوس الصباح مازالت كما كانت، عجوزٌ تزحف لتجمع شظايا الزجاج من الطريق، لئلا تجرح أقدام العائدين. صبىُ يضع على أذنيه سماعات بلا موسيقى، ليخفّف صوتَ القصف. ممرضة تمسح جبين مريضٍ لا تعرف اسمه، وتناديه باسم شقيقها، لئلا يموت غريبًا. شابٌّ يسندُ بظهره جدارًا آيلاً للسقوط ليصمدَ دقائقَ إضافيةً، حتى يمرَّ الأطفالُ، ثم يبتسمُ حين ينجو آخرُهم قبلما يتهاوى فوق رأسه. أمٌّ تغسل الثيابَ ليلًا وهى تغنّى، لتوهمَ أطفالَها أن كلَّ شىء على ما يُرام، وأن ضوء الصباح وشيكٌ. صبىُ يعيدُ ترتيبَ الحجارة أمام باب البيت، حجرًا فوق حجر، لأن النظام يمنحه شعورًا بالأمان. وعصافيرُ تطيرُ مذعورةً تبحث عن أعشاشها وصغارها فى ركام الأشجار المحترقة. هذى مشاهدُ لن تسجّلها الكاميرات. فالكاميراتُ مشغولةٌ بالتقاط أهداف الحرب. والحربُ لا تبدأ حين تُطلق القاذفةُ الأولى، بل حين يفشل الخيال. حين يعجز إنسانٌ عن تخيّل ألم إنسانٍ آخر، فيقرّر اختصاره فى «هدف». فى تلك اللحظة تحديدًا، تتحوّل الأرضُ إلى مسرح، والبشرُ إلى ديكور مؤقت قابل للكسر، ويغدو الدمُ تفصيلا جانبيًّا فى نشرة أخبار.

العالمُ اليوم لا يعيشُ الحرب، بل يؤدى مشاهدَ «البغضاء» التى تدرّب عليها خلال آلاف البروفات. خرائطُ ملوّنةٌ بدمٍ طازج، أطفالٌ يتعلّمون أسماءَ الأسلحة قبل أسماء الطيور، وعدالةٌ لا تسيرُ بميزان الحقّ بل بميزان المصالح، وتبتسمُ لقانون القوة لا لقانون الضمير. كل حرب تُعلن عن نفسها باعتبارها ضرورة، وكلُّ مجزرة تُقدَّم فى ثوب الدفاع عن النفس، وتُعامَل الجثاميُن كأرقام زائدة عن الحاجة يمكن شطبها دون اعتذار. وفى خلفية المشهد، دولٌ كبرى تعيدُ رسمَ الخريطة ثم تتصنّع الدهشة! دولٌ لا تبحث عن السلام، بل تخطّط لوحة التوازن الفوضوى. فالسلامُ يعنى: نهاية «سوق السلاح»، وموت أوراق الضغط، واختفاء الحاجة إلى وكلاء يخوضون الحروب نيابة عن القوى الكبرى. لذا نرى إدانة لفظية هنا، وصمتًا محسوبًا هناك، ومساعدات تُقدَّم بيد، وتُفرَّغ من معناها باليد الأخرى. الدمُ لا يُستنكر بل يُستثمر؛ فما أرخصَه مادام دمَ المستضعفين العُزّل. الأفدحُ من سقوط القنابل، هو سقوط اللغة. فالكلماتُ التى خُلقت لتشرح وتُداوى، صارت أدوات تبرير وتخدير. يُقال «أضرار جانبية» بدلا من «أجساد محترقة»، يُقال: «ضربة استباقية» بدلا من: «بيت كان فيه عشاء دافئ احترق بمن فيه». فى الحروب، تُغسَل اللغةُ من معناها، كما تُغسَل الأيدى من الدماء، ويبقى الذنبُ معلّقًا فى الهواء بلا صاحب.

ما أقسى أن تتحول الأرضُ، التى شيّدها اللهُ لتكون مهدًا للجمال والحياة، إلى مختبرٍ واسعٍ للخراب والطلل! نحن لا نشهد اليوم حروبًا تقليدية، بل نشهد تهاويًا مروّعًا للقيم الإنسانية تحت سنابك آلة عسكرية عمياء لا تعرف إلا لغة الفناء.

ما ارتكبته إسرائيلُ فى فلسطيَن منذ عقود، وفى قطاع غزة منذ سنوات، تجاوز حدود «الصراع السياسى» ليدخل فى دائرة الإبادة الممنهجة. جرائمُ مكتملة الأركان ارتكبت بحق الطفولة، وحق التاريخ، وحق الأرض. وكالعادة أغمض العالمُ عيونه الناعسة، بينما يُهدم المعمار الإنسانى فوق رؤوس ساكنيه. فإجرام الآلة العسكرية الإسرائيلية لم يكتف بحصد الأرواح، بل سعى إلى محو الهوية وتجريف الذاكرة الفلسطينية، لأنهم يخشون صمودَ الحجر واخضرار الزيتون. جرائمُ إسرائيلَ اختبارٌ مفتوح لفلسفة «الإفلات من العقاب». وما تفعله إيرانُ اليوم وهى تقصف دول الخليج، لا يخرج عن ذات المنطق الأحمق، الذى يُعيد إنتاج نفسه بأسماء مختلفة. حيث تُدار السياسة بجثث المدنيين، وتُختبر الهيمنة فوق رؤوس الأبرياء. الحربُ ليست صراعًا على حقٍّ ولا ردعًا لطاغية ظلوم، بل إعلانٌ صريح بأن الإنسان بات تفصيلاً فائضًا فى معادلات القوة، وأن الدمَ، ما دام دمَ الضعفاء، قابل للتداول، والتبرير، ثم النسيان.

وأنا، بوصفى أُمًّا تتمنى ألا تترك أطفالَها فى عالم مشتعل، ومعماريةً تدركُ قيمة البناء وقيمة الأثر، وشاعرةً تؤمنُ بقدسية الحياة، أرى فى هذا الصمت الدولى تواطؤًا مخجلاً. فالحربُ ليست قدرًا مقدورًا، بل هى «قبحٌ» مُتعمدٌ يصنعه من فقدوا البوصلة الأخلاقية واستسلموا لهوس السلطة والمال. فدماء الأبرياء التى تروى الترابَ الآن ستظلُّ صرخات لا تهدأ فى وجه الضمير العالمى الذى شاخ وتيبس، وبرهانًا ساطعًا على أن القوة الغاشمة، مهما بلغت من جبروتٍ، تظل عاجزةً عن هزيمة إرادة البقاء. سيظل القلمُ الذى ينهل من مداد الضمير، هو سلاحنا الأخير، ينحتُ فى صخرِ الذاكرة الإنسانية حقيقةً لا تقبل التزييف: أن الحقَّ لا يموت بطلقة، وأن الجمال سينتصرُ على قبحِ المجازر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحرب الحرب



GMT 07:29 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

الفلسطينيون ومتاعب نظامهم «المزدوج»

GMT 07:16 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

متحف الوطن العربي

GMT 07:03 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

اطبع واقتل!

GMT 05:16 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

أزمة ثقة تطيح بالطبقة السياسية التقليدية

GMT 05:14 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

إصلاح النظام العالمي!

النجمات العربيات يخطفن الأنظار في افتتاح مهرجان كان 2026

باريس ـ مصر اليوم

GMT 09:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج القوس الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 06:05 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الخارجية التركية تستدعي خلفية لمعرفة مصير جمال الخاشقجي

GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,06 كانون الثاني / يناير

وفاة مؤثرة إيطالية بعد خضوعها لإجراء تجميلي في موسكو

GMT 04:23 2020 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

طريقة تحضير فول بالبيض

GMT 03:05 2018 الخميس ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

هند صبري تُؤكِّد سعادتها بالاشتراك في "الفيل الأزرق 2"

GMT 20:53 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

أجاج يؤكد أن السيارات الكهربائية ستتفوق على فورمولا 1

GMT 17:24 2021 الخميس ,02 أيلول / سبتمبر

استبعاد رمضان صبحي من بعثة المنتخب بسبب الإصابة

GMT 20:26 2021 الأحد ,24 كانون الثاني / يناير

أجمل أماكن سياحية في السودة السعودية

GMT 00:31 2021 السبت ,23 كانون الثاني / يناير

إدج كريك سايد يفتتح أبوابه في خور دبي

GMT 09:35 2020 الجمعة ,18 كانون الأول / ديسمبر

السعيد تؤكّد 3.5% معدلات النمو المتوقعة خلال 2020 -2021
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt