توقيت القاهرة المحلي 13:27:08 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«الشيخ والفيلسوف».. حوارٌ على الحافّة

  مصر اليوم -

«الشيخ والفيلسوف» حوارٌ على الحافّة

بقلم: فاطمة ناعوت

«الشيخ والفيلسوف» للكاتب الإصلاحى «شريف الشوباشى»، الصادرة عن دار «الياسمين»، ليست رواية بالمعنى الكلاسيكى، بل حوارٌ مطوّل، يُذكّرنا بمحاورات «أفلاطون» التى استنطق فيها «سقراط» ليناقش، عمدًا، أمورًا بديهية، ثم يحفرُ فى البديهيات تدريجًيا من أجل الوصول إلى أشدّ الأمور إشكاليةً وتعقيدًا واشتباكًا. كتابٌ هادئٌ لا يبحث عن الإثارة، ولا يتغذّى على الصدام، بل يحاولُ بوعى بناءَ مساحة آمنة للحوار والتأمل والمراجعة، مكتوبٌ بقلم يدرك أن العنف لا يبدأ بالسلاح، بل بكلمة تُقصى الآخر.

الكتابُ لا يناقشُ «الدين»، بل «رجل الدين»، ولا يناقشُ الفلسفةَ بل حاملَها. فلم يدخل «الشوباشى» ساحة الدين والعقل كمحارب، بل كحَكَمٍ بين طرفين يقول: هيّا نفهم قبل أن نُدين. وهذا الخيارُ الأخلاقى، وإن بدا محافظًا، يُعدُّ موقفًا جسورًا فى سياق مأزوم بالاستقطاب والعنف والأحادية. جاذبيةُ الكتاب فى رسم الشخصيات بموضوعية وأناقة. لم يُعملِق ولم يُقزِّم، لم يُؤَسطِر ولم يُشَيطن. حتى البطل المحايد «مصطفى» طالب العلم الذى يُجلُّ المتحاوريْن: «الشيخ والفيلسوف»، ويُحبُّهما بنفس القدر، لم يُظهر الكتابُ مَيلَه لأحد على حساب الآخر. وكنتُ أتمنى أن تتدخّل «آية»، شقيقةُ البطل، فى الحوار، لنُنصِت إلى صوت المرأة فى هذا الحوار؛ فيغدو أكثر ثراءً. المتحاوران: الشيخ والفيلسوف، رمزان لصوتين تاريخيين يتعاركان داخل وجدان الثقافة العربية وعقلها.

لا يهدف الكتابُ إلى إلغاء أحدهما، بل إلى إظهار إمكانية التعايش بينهما دون أن يُفنى أحدُهما الآخر. وهنا تكمن رهافة المشروع.

لغةُ الرواية هادئة، خالية من الاستفزاز، أقرب إلى نبرة الحكيم لا نبرة الثائر. وقبل أن تؤاخِذ برودتَها الدرامية، تكتشف أنها اللغة التى تمنح القارئ الشعورَ بالأمان الفكرى. لا أحد يسخر من الآخر، ولا أحد يرفع صوته. الكل يُصغى. وكأن الكاتب يقول: هكذا «فقط» يمكن للأفكار الثقيلة أن تُقال.

«الشيخ» فى الرواية ليس صورة نمطية للواعظ المنغلق، بل رجلُ عقل، يرى فى الدين مساحة أخلاقية للمعنى، لا أداةَ قمع. و«الفيلسوف» ليس متعاليًا، بل إنسانٌ يبحث عن الحرية والمعرفة دون ازدراء للإيمان. هذا التوازن المقصود يجعل الرواية أقرب إلى دعوة للمصالحة منها إلى مناظرة لكسب النقاط. وقد يُلامُ الكتابُ لأنه لا يذهب بأسئلته إلى الحافّة، ولا يجرُّ الشخصيات إلى الانكسار، ولا يسمح للقلق الوجودى بأن يبلغ ذروته. لكننى أظنُّ أن «الشوباشى» أراد أن يقول إن الحكمة ليست فى الصراخ، ولا كل الحقيقة تكمن فى الجرح. الرواية لا تسعى إلى زلزلة اليقين، بل إلى عقلنته. لا تريد هدم المعبد، بل فتح نوافذه ليدخل الضوء. وهى بهذا المعنى ليست رواية أزمة، بل صوت الطمأنة الفكرية وسط ضجيج القلق الجمعى. قيمة الكتاب ليست فى السؤال، بل فى أسلوب طرحه، والإصرار على أن الخلاف لا يستلزم العداء، وأن العقل يمكن أن يرافق الإيمان دون أن يشعر أىُّ منهما بالتهديد. رواية نظيفة اللغة، إنسانية المقصد؛ تُقرأ ببطء، وتُقدَّر على مهل. لا تصفع القارئ ولا تُربكه، بل تضعُ يدَها على كتفه. وهذا ما نحتاجُ تذكّرَه: أن الحوار العاقلَ فضيلةٌ عصيّة. «الشيخ» فى الرواية ليس فردًا بقدر ما هو موقف، و«الفيلسوف» ليس إنسانًا بقدر ما هو أطروحة. وهذه أول مفارقة فى السرد: روايةٌ بلا فردانية وشخصنة؛ أقربُ إلى تمرين ذهنى منها إلى مغامرة وجودية. لذلك اختار لغة مهذبة، خالية من العنف الرمزى. الجميع عقلاء، متزنون، مستعدون للإنصات. وهذا يُخالف تاريخيًّا مسارَ الفلسفة والدين. فالفلسفة لم تتقدّم بالحوار، بل بالشرخ والقلق.

«سقراط» لم يكن مبتسمًا، «سبينوزا» لم يكن مطمئنًا، «نيتشه» لم يكن وديعًا، وحتى المتصوفة، حين بلغوا ذُرى الصفاء الروحى، مرّوا أولًا بجحيم القلق والعذاب. أمّا فى رواية «الشيخ والفيلسوف»، فالنقاشُ يدور فى غرفة معقّمة، خالية من الخطر.

«الشيخ» فى الرواية ذكى، متسامح، خفيف الظل غير متزمت. و«الفيلسوف» إنسانى، غير عدائى، ولا يزدرى الإيمان. هذى المثالية الأخلاقية، ربما أفقرت الصراعَ الدرامى الذى لا ينشأ إلا بين رؤيتين تُهددان بعضهما بعضًا فى العمق. ما الذى يخسره الشيخُ إن انتصر الفيلسوفُ؟ وما الذى يخسره الفيلسوفُ إن انتصر الشيخ؟ الإجابة: لا شىء. وكأن الكاتبَ يريدها معركة Win-Win Battle.

نجحت الرواية فى طرح أسئلة: الحرية، الإيمان، الخوف من الموت، ومعنى الحياة بعد انكسار اليقينيات الكبرى. لكنها لم تمض بتلك الأسئلة إلى نهاياتها المؤلمة. كلُّ سؤال يُسحب قبل أن ينزف. كلُّ قلق يُرمَّم قبل أن يجرح. وهنا نلمح بوضوح شخصية «الشوباشى» المثقف الأنيق، وهو يجلس إلى مكتبه ليخطَّ رواية ذكية، نظيفة، شريفة المقصد، لا تكسر الجدارَ بل تطرقه برفق. رواية تفتح باب الحوار دون صراخ. تُذكّر بأن العقل والدين ليسا أعداء، بل هما فقط نسيا نقاط اللقاء.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الشيخ والفيلسوف» حوارٌ على الحافّة «الشيخ والفيلسوف» حوارٌ على الحافّة



GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

GMT 09:43 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

هل يمكن خلع أنياب الأسد الجريح؟

GMT 09:42 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

لكل حدائقه

GMT 09:40 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

نحو عالم جديد أكثر انقساماً وأقل ترابطاً

GMT 09:39 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

مالي وغاني بينهما خرافة

GMT 09:37 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

الخرطوم بين العودة والانتظار!

GMT 09:36 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

كشف أثري تحوَّل إلى كارثة

GMT 09:35 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

أميركا اللاتينية الحديقة الملعونة

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 11:44 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اكتشاف طريقة لإعادة شباب الخلايا ومحاربة الشيخوخة
  مصر اليوم - اكتشاف طريقة لإعادة شباب الخلايا ومحاربة الشيخوخة

GMT 19:34 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو
  مصر اليوم - أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 20:22 2024 الخميس ,10 تشرين الأول / أكتوبر

الإسماعيلي يفوز على بلبيس 2-1 استعداداً للموسم الجديد

GMT 03:13 2020 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

7 وجهات تستحق الزيارة في كينيا في ربيع 2020

GMT 01:24 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

حالة الطقس في مصر اليوم الأربعاء 22 يناير/ كانون الثاني

GMT 14:13 2020 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

تعرَّف على أسرار شخصية مولود برج الدلو وأبرز صفاته

GMT 05:19 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

الرئيس الأميركي يعلن موعد اتفاق تبادل التجارة مع الصين

GMT 07:12 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

عباس يؤكّد أنّ انتخابات القدس لن تتم إلا في قلب المدينة

GMT 06:03 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

طبيب يخدع المريضات باسم أنجلينا جولي ويرتكب 25 جريمة جنسية

GMT 19:37 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

عودة الزعيم ويوسف الشريف في الماراثون الرمضاني 2020

GMT 01:31 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

أول تعليق من تامر حسني بعد تكذيب دخوله موسوعة غينيس

GMT 20:42 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

بعد شهرين من ولادتها الظهور الأول لابنة حنان مطاوع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt