توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بيتٌ لا يعرفُ الحَزَن!

  مصر اليوم -

بيتٌ لا يعرفُ الحَزَن

بقلم : فاطمة ناعوت

هذا شهرُ مارس، أجملُ الشهور وأشرقُها. شهرُ الطبيعة والحُسن والشدو. فيه تُشرقُ الزهور وتصدحُ الطيور وتحنو الشمسُ فتمنحنا النورَ والدفء وبهجات الطبيعة بعد قسوة الشتاء وعتمته. لكنه يحملُ مع ذلك بعض الغيوم. فى بداياته يفكِّرُ الأولادُ والبناتُ فيما سيجلبون لأمهاتهم فى عيد الأم من هدايا ويحبكون الخطط والمفاجآت ليرسموا فوق شفتيها الفرح. أما الذين رحلت أمهاتُهم عنهم وتركتهم عرايا عن الحب، فنصيبُهم الوجعُ واجترار الذكريات. وأنا أحدُ هؤلاء. لهذا أواسى نفسى ورفاقى الفاقدين أمهاتهم بهذه الحكاية.

يحكى الفولكلور الصينىّ عن امرأة تعيش هانئةً مع وحيدِها الذى هو قُرّةُ عين لها ولوحدتِها التى حلّت ببيتها بعدما فقدت الرجلَ والأهلَ والسند. وفى يومٍ حزين، جاء الموتُ واختطفَ ابنَها دون مقدّمات. رفضتِ الأمُّ تصديقَ الفاجعة، ولم تُسلِّم بأن الموتَ فعلٌ جازمٌ غيرُ قابل للاستئناف أو النقض. ذهبت إلى حكيم البلدة وبكت بين يديه لكى يدلَّها على وصفة سحرية تُعيد ابنَها إلى الحياة. وتعهدت بأن تصنعها مهما بلغت صعوبتُها.

أشفق الحكيمُ على المرأة الثكلى، فأخذ شهيقًا عميقًا، ثم شرد بذهنه قائلا: «حسنًا يا ابنتى. أحضرى لى حبّةَ خردل واحدة. بشرط أن تأتى بها من بيتٍ لم يعرف الحَزَنَ مطلقًا». انتعش قلبُ المرأة برذاذ الأمل والرجاء الوشيك فى استعادة نجلها الراحل. فبدأت من فورها تجولُ على بيوت القرية بيتًا فى إثر بيت، وتطرقُ بابًا من بعد باب، سائلةً عن طريدتها التى طلبها الحكيم الطيب: «حبّة خردل واحدة، من بيت لم يعرف الحزن».

طرقت أحدَ الأبواب. ففتحت لها امرأةٌ شابّة، سألتها السيدةُ: «هل عرف هذا البيتُ حزنا من قبل؟» ابتسمت الشابّةُ فى مرارة، وأجابت: «وهل عرف بيتى إلا الحزن؟!»، ثم راحت تحكى للمرأة الثكلى أن زوجها مات منذ عام، تاركًا لها أربعة من الصغار. لا تعرف كيف تُطعمهم إلا ببيع أثاث الدار الذى لم يتبقَ منه إلا القليل.

فاضَ الدمعُ من عينى الثكلى، وراحت تواسى صاحبتَها الأرمل أمّ اليتامى. ومع نهاية الزيارة، صارتا صديقتين، ولم تفترقا إلا وقد تواعدتا على تكرار اللقاء. قالت الشابةُ لرفيقتها الحزينة: «سأنتظركِ. فقد مرّ زمنٌ لم أفتح فيه بابَ بيتى لزائر ولا قلبى لإنسان أبثّه شكواى». قُبيل الغروب، طرقتِ المرأة الثكلى بابًا جديدًا، ففتحت لها سيدةٌ على وجهها سيماءُ التعب.

سألتها إن كان هذا البيتُ لم يعرف الحَزَن. ملأها الإحباطُ حين علمت من سيدة الدار أن زوجها طريحُ الفراش وليس فى البيت مالٌ لعلاجه أو طعامٌ لصغارها. ذهبت الثكلى إلى السوق واشترت بكل ما معها من مال دواءً للمريض وطعامًا وبقولا للصغار، ثم عادت إلى دار رفيقتها، وساعدتها فى طهو وجبة ساخنة لإطعام الصغار. ثم ودّعتها على وعدٍ بزيارتها فى مساء اليوم التالى. حينما أشرق الصبحُ، جالت المرأةُ بين أرجاء البلدة، لم تترك بابًا إلا وطرقته، ولا بيتًا من بيوت الجوار إلا ودخلته لتسأل أهلَه إن كان بيتُهم لم يعرف الحزن، طمعًا فى طرح السؤال الآخر الذى لم يأت أبدًا: «حبة خردل واحدة»، فقط إن كانت الدارُ نقيّة من الحَزَن، بريئة من الفجيعة والدموع. من باب إلى باب أخبرتها الدورُ والأبوابُ أن رجاءها صعبٌ عسير عصىُّ يسكنُ جوفَ المستحيل.

خرجت من كل بيتٍ صفرَ اليدين مما جاءت من أجله، وملأت جَرّة ذاكرتها بقصص كثيرة وحواديتَ ملؤها الحزن والشقاء والموت والقنوط، لكنها حصدت مع القنوط عددًا هائلا من الأصدقاء الذين جعلت من مساعدتهم وحلّ مشاكلهم وتخفيف أحزانهم مشروعَ حياتها القادم.

ومرّت الأيامُ والسيدة لا توقفُ عطاءها لحزانى الجوار، حتى صارت صديقةً لكل بيت من بيوت البلدة. ويومًا بعد يوم، بدأت تنسى طريدتها التى ستُرجع لها ابنَها الراحل. نسيت حبّةَ الخردل من بيت لا يعرف الحزن، لأنها أدركت أن حزنًا يسكن كل قلب. وحين ذابت فى أحزان الناس بدأ حزنُها الشخصى يخفتُ مع الوقت، وأدركت حكمة الحكيم، وعبقرية وصفته السحرية. «الخروج من الـ (أنا)، نحو الـ (هو) والـ (نحن) والآخر». تلك هى حبّةُ الخردل التى تجعل أحزاننا تذوب مع أحزان الآخرين.

أتذكرُ تلك القصة كلّما طرقتُ بابًا أعرفُ أن وراءه أمًّا ثكلى فقدت شهيدًا فى حربنا الصعبة مع الإرهاب. وأتذكّرها كلما اشتقتُ لأمى التى تركتنى ومضت إلى حيثُ تذهبُ الأمهاتُ ولا يعدن. اللهم نقّ واقعنا من أعداء الحياة خصوم الفرح وكلاء الموت على الأرض، وامنحنَا السلام. «الدينُ لله والوطنُ لمَن يصير حبّة خردل لحزانى الوطن».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بيتٌ لا يعرفُ الحَزَن بيتٌ لا يعرفُ الحَزَن



GMT 05:26 2022 الأربعاء ,17 آب / أغسطس

حول التعديل الوزارى

GMT 19:15 2022 الأربعاء ,20 تموز / يوليو

هل بقيت جمهوريّة لبنانيّة... كي يُنتخب رئيس لها!

GMT 02:24 2022 الخميس ,09 حزيران / يونيو

لستُ وحيدةً.. لدىّ مكتبة!

GMT 19:37 2022 الأحد ,05 حزيران / يونيو

البنات أجمل الكائنات.. ولكن..

GMT 01:41 2022 السبت ,04 حزيران / يونيو

سببان لغياب التغيير في لبنان

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt