بقلم: فاطمة ناعوت
الخميس الماضى، الذى وافق تاريخًا فريدًا (٢٦-٢-٢٦)، لا يتكرر إلا مرةً واحدة كل مائة عام، كان عيد ميلاد «عمر»، قلبى الذى ينبضُ خارج جسدى، والذى يُحلِّقُ حرًّا فى «طيف التوحّد»، كنموذج بشرى شديد التفرّد، أتعلّم منه كل يوم درسًا جديدًا. مع كل شمعةٍ جديدة يطفئها «عمر» فى كعكته، لا يكبر عامًا، بل يضيف طبقةً جديدة من وجوده المميز. يكبُر على طريقته: لا بزيادة السنوات، بل بتراكم القدرة على رسم العالم بطريقة مختلفة، وعلى «الصمت» بوصفه لغة مكتملة لا نقصان فيها. تعلّمتُ من «عمر» أن النموَّ ليس صعودًا مستقيمًا، بل التفافٌ ذكىٌّ حول العوائق، وأن الأمومة ليست حماية من الألم، بل مرافقة له، يدًا بيد، دون استعجال للخروج من الشرنقة. يظنُّ الرفاق أننى أقوده، لكن الحقيقة أننى أتعلم المشى على إيقاعه المبدع. فالطريق حين يُقاس بخطوات المتوحدين، يغدو أكثر إنسانية وإشراقًا وموسيقى.
فى عيد ميلاد «عمر»، لا أتمنى له أن يكون «أفضل» أو «أقرب إلى الطبيعى». لأن الطبيعى عنده معيارٌ آخر، مختلف، وهادئ. أريده كما هو: حرًّا، كاملًا فى اختلافه، ممتلئًا بالدهشة، بالصمت، بالضحك المفاجئ، بالانسحاب للشرنقة حين يفيض العالم عن طاقته. أريده أن يعرف فرادة طبيعته الخاصة، وأن يحتفظ بعالمه، دون أن يسقط فى مطبات الحكم أو المقارنة. أريده أن يظل قادرًا على إدهاشنا بعزفه على البيانو، بلوحاته التى تبدعها ريشتُه، بقدرته الفائقة على حلّ أعقد المشاكل، بصمت وهدوء. هذا التاريخ الفريد ٢٦-٢-٢٦ ليس رقمًا على التقويم، بل شهادةٌ على أن الحياة لا تُقاس بسرعة «مَن يسبق»، بل بصدق «مَن يواصل». توثيقٌ صادق على أن بعض الأبناء لا يأتون ليكملوا صورتنا الأنيقة، بل ليكسروا المرآة، ويعلّمونا كيف نرى الصورة بلا انعكاسٍ مزيف، بعيون لا تعترف بالنمطية والتكرار.
فى سنّ الثالثة، انسحب «عمر» فجأةً نحو الداخل، وأحكم خيوط شرنقته التى قبع فيها ٢٥ عامًا. ثم قرّر فجأة أن يكسرها ليخرج إلينا قبل أربع سنوات. لهذا فنحن نحتفل بالرحلة الصعبة، لا بالوصول. الاحتفال بعيد ميلاد المتوحّد، لا يحتاج لضجيج أو حفلات صاخبة قد تزعجه، بل هو احتفال بالانتصارات الصغيرة؛ كلمة جديدة تدخل معجمه، نظرة عين دافئة، لمسة يدى وسط الزحام ليطمئن أننى إلى جواره. نحتفلُ بالمساحات التى يحتلها فى الحياة مهما كانت صغيرة وغير مرئية. نحتفل بأبنائنا المتوحدين لأنهم علمونا أن الحب ليس كلمة، بل فعل يومى، صبر مستمر، تحمّل لنوبات الانهيار والعنف، شغفٌ برجاء لا ينقطع، واحتواء بلا شروط. هو احتفاء بعالم نقى، لا أقنعة فيه ولا زيف. يوم لتقدير «الاختلاف»، واحتفالٌ بالمسافة التى قطعتها الإنسانيةُ فى قلوبنا. يوم للإصغاء للأصوات التى لا تُسمع، واللمسات الرهيفة التى تكتب الحياة على الجسد والروح والذاكرة.
«التوحّد» ليس مرضًا ينتظرُ الشفاء، ولا لغزًا كيميائيًا نبحث له عن هرمون مفقود. بل هو أسلوب مختلف لالتقاط ومضات العالم، أشبه بجهاز استقبال مضبوط على تردّد أعلى مما يحتمله الضجيج البشرى المعتاد. وحين نعجز عن فهم هذا الاختلاف، نسارع إلى تسميته «اضطرابًا»، لا لأنه معطوب، بل لأننا لم نُعدّل إعداداتنا على موجته. الخطاب السائد عن التوحّد مشغول دائمًا بما ينقص صاحبه: نقص تواصل، نقص مرونة، نقص تعبير. لكنه نادرًا ما يتأمل ما يفيض به: حساسية عالية، فنٌّ رفيع، صدق فجّ، ذاكرة جسدية ومكانية حادة، وقدرة استثنائية على التركيز حين يُمنح الأمان. هذى الحقائق يتجاهلها عالمٌ لا يحتمل الإيقاع المختلف. «التوحّد» لا يحتاج إلى شفقة، ولا إلى تطبيع قسرى، بل يحتاج إلى عدالة مجتمعية: أن يُسمَح للإنسان أن يكون كما هو، دون أن يُطلَب منه الاعتذار عن طريقته فى الوجود. حين نكفّ عن سؤال: «كيف نُغيّره؟» ونبدأ بسؤال: «كيف نخفِّف قسوة العالم عليه؟» نكون قد اقتربنا لأول مرة من المعنى الحقيقى للدعم.
إنَّ صمتَ «عمر» وأقرانه ليس عجزًا، بل هو لغةٌ علوية مطوية تنتظرُ مَن يفهم شفراتها. وقلقنا عليهم بعد رحيلنا، نحن أمهاتهم، ليس تسليمًا بضعفهم، بل أمانةٌ نضعها فى عنقِ هذا الوطن العزيز. إنَّ عصفور التوحد الذى يخشى السقوط على أرضٍ صلبة، يحتاجُ إلى مظلةٍ تضمنُ له استمرارَ التحليق بعدما يغيبُ جناحُ أمه. لذا، فإننى أغلق باب هذا المقال، لأفتح بابًا للرجاء أمام القيادة السياسية والمؤسسات المعنية؛ لتكون مصرُ هى الأبَ والأمَّ لكل عصفورٍ توحدىٍّ يخشى وحشةَ الطريق، حين تغيبُ الأمهاتُ فى رقدة السلام. فحين نزرعُ المؤسسات، نضمنُ أنَّ الرحيلَ لن يكونَ فقدًا، بل سيكونُ تسليمًا ليدٍ أمينةٍ لا تخونُ العهد. كل سنة وأنت مشرقٌ وجميل يا «عمر»، تملأ حياتنا عزفًا وألوانًا، وكلماتٍ قليلةً هى أثرى من معلّقات الشعراء.