توقيت القاهرة المحلي 08:00:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لا يرون.. لكن اللهَ يرى!

  مصر اليوم -

لا يرون لكن اللهَ يرى

بقلم : فاطمة ناعوت

دخلت السيدةُ إلى الغرفة وقالت للجالسين شيئًا. لكن أحدًا من أفراد الأسرة لم ينتبه لوجودها ولا سمع أحدٌ ما قالت. كررت قولها بصوت أعلى: (أخفضوا صوتَ التليفزيون، لو سمحتم!). ولم يتحرك أحدٌ. وفى أحد المساءات كانت وزوجها مدعويْن إلى حفل. وبعد ثلاث ساعات حان وقت العودة للبيت. بحثت عن زوجها الذى تركها ليتحدث مع أصدقائه. وقفت أمامه وأشارت له مرّةً ومرّات. لكنه لم ينتبه، وظل يتحدث إلى رفاقه! هنا أدركت أن زوجها لا يراها وهى أمامه! (أنا غير مرئية!)، هكذا قالت لنفسها بحزنٍ. وتأكد لها الأمرُ حينما أوصلت طفلها إلى مدرسته فى الصباح، وسألته المعلّمةُ: (مَن السيدة التى أتت بكَ يا جاك؟) فأجاب الطفلُ بتلقائية: (لا أحد!). «يا إلهى! لقد أصبحتُ لا أحد؟!». هكذا بدأت «نيكول جونسون» تُدرك أنها لم تعد مرئية. صارت من المُسلّمات البديهية فى عيون أفراد أسرتها. ومن فرط حضورها لم يعد أحدٌ يراها! كانت تؤدى مهامها اليومية كأمٍّ وزوجة، لكنّ أحدًا لا يشعر بوجودها! بدأ الحزنُ يسكنُها وأوشكت على السقوط فى الاكتئاب.

فى أحد الأيام أهدتها صديقتُها كتابًا مُصوّرًا عن أجمل كنائس أوروبا. فى صدر الكتاب إهداءٌ يقول: (بكل الإعجاب أُهدى كتابى إلى الفخامة والأناقة التى شيّدتموها، حين لم يركم أحد. للأسف لن نعرف أبدًا أسماء البشر الذين شيّدوا تلك الكاتدرائيات الرائعة!). راحت تُقلِّب الصفحات تلوَ الصفحات، تتأمل صور الكنائس العملاقة الملوّنة، ثم تنزل بعينيها إلى أسفل الصفحات لتعرف أسماء المعماريين والبُناة، فتجد مكتوبًا أسفل كل صورة: (المعمارىُّ والبَنّاؤون: غير معروف). ثمّة بشرٌ يُتممون أعمالهم الخالدة، وهم مدركون أن أحدًا لن ينتبه إليهم.

حكى الكتابُ عن نحّاتٍ ظلَّ ينحتُ فى رأس عمود حجرى شكل طائر ضئيل. هذا الزخرف سوف يختفى بعدما يُشيّدُ سقفُ الكنيسة. صعد إليه رجلٌ وسأل النحّاتَ ساخرًا: (لماذا تُنفق كلَّ هذا الوقت فى نحت تمثالٍ لن يراه أحد؟!) أجاب النحّاتُ: (لأن اللهَ يرى). أولئك يؤمنون أن الله يرى كلَّ شىء. أولئك الكادحون ظلّوا يذهبون يومًا بعد يوم على مدى الأعوام ليشيدوا بناءً لن يشهدوا اكتماله فى حياتهم، فبعض الكاتدرائيات استغرق بناؤها أكثر من مائة عام. أكثر من عُمر أولئك المعماريين والنحّاتين والبنّائين. قدّموا أعمارهم دون أى ضمانات مستقبلية. يشيّدون بناية لن يروها ولن تحمل أسماءهم. وتساءل الكتابُ: (ربما لن نرى بنايات بتلك الروعة والفخامة بعد ذلك، لأن بشرًا قليلين الآن مستعدون لتقديم تضحيات بهذا المستوى).

أغلقت السيدةُ الكتابَ الضخم وكأنها سمعت نجوى الله: (أنا أراكِ. أنتِ لستِ «غير مرئية» بالنسبة لى. ليست هناك تضحيةٌ لا أراها مهما صغُرت. أرى كلَّ رغيفٍ يُخبَز، كلَّ خرزة تُخاط، وأبتسمُ مع كل غرزة تُحاك. أرى كلَّ دمعة إحباط تذرفينها حين لا تسير الأمورُ كما تشتهين. ولكن تذكّرى دائمًا أنكِ تشيّدين بنايةً عُظمى، لن تكتملَ فى حياتك، وربما لن يكون بوسعك أن تعيشى فيها. ولكنْ إن أتْمَمْتِ عملَك على النحو الأكمل، سوف تكون مشيئتى).

من المؤلم ألّا يرانا الناسُ. لكن تجاهلَنا ليس مرضًا يمحو حياتنا ويُهدر جهدنا. بل ربما هو العلاجُ من مرض «التمركز حول الذات»، والترياقُ الذى يشفى غرورنا. لا بأس إن كانوا لا يرون. لا بأس إن كانوا لا يعرفون.

فى كتابها (المرأةُ غير المرئية- The Invisible Woman) تقولُ «نيكول»: (لا أريدُ أن يقول ابنى لأصدقائه فى الجامعة: «لن تصدقوا ماذا تفعل أمى من أجلى! إنها تصحو فى الرابعة فجرًا لتخبز الفطائر وتخفق الزبد وتكوى الملابس»، بل أريده أن يُحبّ العودة إلى المنزل، ويقول لأصدقائه: «سوف تحبّون بيتى». لا بأس أنهم لا يرون، فالله يرى. دعونا ندعو الله أن تقف أعمالُنا كآثار فخمة فى أوطاننا).

عام ٢٠١٦ سألتنى الإعلامية السعودية الجميلة: «نادين البدير» على الهواء: (تكتبين منذ ستة عشر عامًا عن العدالة والمواطنة والجمال والتحضّر، ألم يُصِبْكِ الضجرُ وأنت ترين أن أحلامك لا تتحقق، بل تقفين على أبواب السجن؟! لماذا تقبلين أن تكونى الضحيةَ وتتعرضى للملاحقة القضائية والسجن والسُّباب والتكفير والإقصاء؟ هل يستحقُ الأمرُ كلَّ هذا؟!) وأجبتُها على الهواء بعفوية: (مصرُ تستحقُّ! جميعُنا مدين لمصر! ربما لن نشهدَ فى حياتنا ما نرجوه لمصرَ من تنوير وتحضُّر، لكننا نبنى حجرًا فى جدارٍ، سوف يُكمله مَن يأتى بعدنا).

«الدينُ لله، والوطنُ لمَن يبنى حجرًا فى صرح الوطن».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لا يرون لكن اللهَ يرى لا يرون لكن اللهَ يرى



GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:23 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

المبحرون

GMT 08:21 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

قرارات أميركا العسكرية يأخذها مدنيون!

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:29 2025 الثلاثاء ,03 حزيران / يونيو

بيراميدز يجهز مصطفى فتحي لنهائي الكأس أمام الزمالك

GMT 13:07 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يتمسك باستمرار المغربي محمود بنتايج ويرفض رحيله

GMT 11:15 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن

GMT 03:17 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير قشطة بانوفي المخفوقة بالبندق والشوكولاتة

GMT 02:44 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

علا غانم تقرر الانسحاب من رمضان وتنتقل للعيش في أميركا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt