توقيت القاهرة المحلي 14:27:36 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الاختلافُ... وفن بناء الجسور (1)

  مصر اليوم -

الاختلافُ وفن بناء الجسور 1

بقلم: فاطمة ناعوت

تصادف جلوسى فى النادى أقرأ. على طاولة مجاورة رأيتُ مجموعة من الشباب والبنات. أصدقاءٌ فيما يبدو. على مدار الساعة التى قضيتُها فى انتظار ابنى حتى يُنهى تمرينه، لم يتبادلِ الأصدقاءُ كلمة، اللهم إلا كلمات قليلة مع النادل يطلبون منه العصائر والطعام. كان كلٌّ منهم غارقًا فى شاشة هاتفه، يتحدثُ إلى عوالم بعيدة، منفصلا وعازفًا عن العالم القريب الجالس إلى جواره. مشهدٌ عجيب! وكأن رسامًا قد طلب إليهم ألا يتحركوا حتى ترسم ريشتُه ملامحَهم الساكنة. سبعةُ أجساد على مائدة واحدة، وسبع أرواح فى قارات متباعدة. مرّت على صفحة ذاكرتى مشاهدُ من أفلام قديمة، كان الناس فيها يتناقشون ويتمازحون ويختلفون حول موائد الطعام، ثم ينهضون منها أصدقاءَ كما جلسوا، يتواعدون على اللقاء القادم. كيف صرنا اليوم نزداد تباعدًا وانفصالا وافتراضية؟ وكأن التكنولوجيا التى نجحت فى تقريب المسافات بين القارات، نجحت أكثر فى توسيع المسافات وتعميق الهوّات بين القلوب.

هنا خطر لى سؤالُ الاستقطاب. كيف نجح أسلافُنا فى العيش معًا، رغم اختلاف الأفكار والمعتقدات والمصالح والأحلام، وأخفقنا؟ هذا السؤال ليس سياسيًّا، وإن بدا كذلك، بل هو سؤالٌ إنسانى وثقافى ومجتمعى. فالمجتمعات لا تتفكّك حين تختلفُ الآراء، بل حين يفقد الناسُ القدرةَ على الإصغاء. ولا يتماسك المجتمعُ لأن الجميعَ متشابهون، بل لأنهم يتقنون فنَّ بناء الجسور رغم الاختلاف. الاختلافُ ثراءٌ، والخلافُ انهيار.

فى بدايات الحضارات كانت المدن تُبنى من الحجر. أما اليوم فالمجتمعات تُبنى من الكلمات. وحين تضعفُ الكلماتُ، ترتفع الجدرانُ والحواجز بين البشر. حين يتراجع الحوارُ، يتقدم الصراخ. وحين نعجز عن سماع الآخر، نبدأ فى الخوف منه، ثم كراهيته، ولا يتبقى إلا نفى حقّه فى الوجود.

«الاستقطاب»، فى أصله مصطلحٌ فيزيائى وكيميائى. لكن المصطلح يأخذ سمته السياسى والاجتماعى حين يحدث انقسامٌ حادٌّ فى نسيج المجتمع وتتقلص المساحات الوسطية، فينحاز الأفرادُ إلى مواقف أيديولوجيات متطرفة، فنسمع عبارة: «نحن» ضد «هم». يحدث هذا بسبب ضعف لغة الحوار والمثاقفة، والتحيزات الإعلامية، وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعى التى تعزل الأفراد داخل فقاعاتٍ فكرية تشبه آراءهم فقط. وهذا، بكل أسف، صار أحد أعراض عصرنا. عصرٌ مَنَح كلَّ إنسان منبرًا، لكنه لم يمنحه حكمة استخدامه. عبر منصّات التواصل، صار بإمكاننا التحدث إلى العالم كله، لكننا بِتنا أقلَّ قدرةً على الإنصات. نعيش داخل دوائرَ مغلقة من الآراء المتشابهة، ونظن أن العالم كله نسخةٌ منا. فإذا صادفنا رأيًا مختلفًا، تعاملنا معه كما لو كان تهديدًا، لا اجتهادًا آخر فى فهم الحياة.

ولعلّ هذا هو التحدى الأكبر الذى علينا مواجهته اليوم: كيف نحافظُ على وحدتنا دون أن نتشابه؟ وهذا مبدأ معمارى جميل تعلمناه فى كلية الهندسة يربط فنَّ العمارة بعلم الجمال والفلسفة. المبدأ اسمه Diversity within Unity أو التنوّع عبر الوحدة. هذا المبدأ العبقرى هو الذى يصنع سيمفونية بصرية ساحرة توازِنُ بين التنوع والتوحد، ويحمى التصميم المعمارى من الوقوع فى فخّين: الملل الناتج عن الرتابة، والفوضى الناتجة عن التشتت. وما ينطبق على العمارة ينطبق قطعًا على المجتمع. فهذا المبدأ يمكننا من أن نصون وحدتنا دون أن نُصادر اختلافاتنا.

الحضارة المصرية عبر آلاف السنين علّمتنا أن احترام التعددية ليس شعارًا أخلاقيًا جميلًا فحسب، بل ضرورةٌ وجودية وحتمية حضارية. فمصر لم تُصنع من عنصر واحد، ولا من طبقة ثقافية واحدة، بل من طبقات متراكبة من البشر والأفكار واللغات والديانات والتجارب. كانت دائمًا مساحةً للقاء والتفاعل، أكثر منها مساحةً للتطابق. وهكذا دائمًا؛ قوة المجتمع لا تُقاس بمدى تشابه أفراده، بل بمدى قدرتهم على الحياة الجميلة رغم الاختلاف والتنوع، الذى من شأنه أن يخلق الثراء، لا الشتات.

هنا يأتى دور الثقافة والفنون، والقوى الناعمة بوجه عام. مخطئٌ مَن يرى الفنون نوعًا من الترف الجميل. بل هى إحدى أدوات البقاء. فالإنسان لا يقرأ الرواية ليقتل الوقت، بل ليعيش حياةً أخرى غير حياته. ولا يشاهد المسرحية أو الفيلم للتسلية، بل ليتدرب على رؤية العالم بعينى شخص آخر، بل شخوص آخرين. هنا يتمرّن المِخيالُ البشرى فيصير أخصبَ وأقدر على إنعاش الخيال. فتصيرُ «الأنا» «أنا عُليا» حين تحترم «الهو»، أى الآخر. هنا ينحسرُ التعصّبُ ويبدأ المجتمع فى الترقى والازدهار. فالتعصب يبدأ حين يعجز الإنسانُ عن تخيل الآخر، ويخفق فى أن يشعر بمشاعره، فيكون من السهل عليه جرحه، بل اغتياله معنويًّا. والأدب العظيم تدريب يومى على هذا التخيّل. وكذلك الفنون الرفيعة، التى هى أهم الجسور غير المادية التى توحّد البشر، رغم تنوعهم. السياسة ترسم حدود الخرائط، بينما الثقافة ترسم خرائط القلوب. وعن تلك الجسور الخفية التى تبنيها الثقافة بين البشر، نواصل الحديث فى المقال القادم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاختلافُ وفن بناء الجسور 1 الاختلافُ وفن بناء الجسور 1



GMT 09:20 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حرب المقايضة

GMT 09:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

عُمر من «نقش زهير» إلى «نقش المهد»

GMT 09:12 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حكومة عاجزة عن حل مشكلة الكلاب الضالة !

GMT 09:08 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

كراهية الحرب... وكراهية الغرب!

GMT 09:06 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

شوكتان في حلق السيادة اللبنانية

GMT 09:03 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

ترمب وحلم طهران الساذج

GMT 06:13 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

طلبوا علاجه نفسيا لأنه مبدع

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 10:57 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:50 2024 الجمعة ,04 تشرين الأول / أكتوبر

المصري يعلن رسمياً تعاقده مع محمد مخلوف لاعب الإسماعيلي

GMT 01:16 2017 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

عدلي القيعي يوضح حقيقة الخلاف بينه وبين عبد الشافي

GMT 10:23 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

محشي الملفوف على الطريقة الشرقية

GMT 20:15 2025 الثلاثاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

فيفا يختار 3 حكام مصريين لكأس العرب 2025 في قطر

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 09:24 2023 الخميس ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

نجوى إبراهيم تكشف كيف تظهر بصحة جيدة رغم محاربتها المرض

GMT 00:04 2023 الثلاثاء ,21 شباط / فبراير

مصر تعلن عن هزة أرضية شمال رفح

GMT 16:52 2021 الجمعة ,24 أيلول / سبتمبر

300 عرض مسرحي في مسابقات مهرجان شرم الشيخ الدولي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt