توقيت القاهرة المحلي 12:25:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الاختلافُ... وفن بناء الجسور (1)

  مصر اليوم -

الاختلافُ وفن بناء الجسور 1

بقلم: فاطمة ناعوت

تصادف جلوسى فى النادى أقرأ. على طاولة مجاورة رأيتُ مجموعة من الشباب والبنات. أصدقاءٌ فيما يبدو. على مدار الساعة التى قضيتُها فى انتظار ابنى حتى يُنهى تمرينه، لم يتبادلِ الأصدقاءُ كلمة، اللهم إلا كلمات قليلة مع النادل يطلبون منه العصائر والطعام. كان كلٌّ منهم غارقًا فى شاشة هاتفه، يتحدثُ إلى عوالم بعيدة، منفصلا وعازفًا عن العالم القريب الجالس إلى جواره. مشهدٌ عجيب! وكأن رسامًا قد طلب إليهم ألا يتحركوا حتى ترسم ريشتُه ملامحَهم الساكنة. سبعةُ أجساد على مائدة واحدة، وسبع أرواح فى قارات متباعدة. مرّت على صفحة ذاكرتى مشاهدُ من أفلام قديمة، كان الناس فيها يتناقشون ويتمازحون ويختلفون حول موائد الطعام، ثم ينهضون منها أصدقاءَ كما جلسوا، يتواعدون على اللقاء القادم. كيف صرنا اليوم نزداد تباعدًا وانفصالا وافتراضية؟ وكأن التكنولوجيا التى نجحت فى تقريب المسافات بين القارات، نجحت أكثر فى توسيع المسافات وتعميق الهوّات بين القلوب.

هنا خطر لى سؤالُ الاستقطاب. كيف نجح أسلافُنا فى العيش معًا، رغم اختلاف الأفكار والمعتقدات والمصالح والأحلام، وأخفقنا؟ هذا السؤال ليس سياسيًّا، وإن بدا كذلك، بل هو سؤالٌ إنسانى وثقافى ومجتمعى. فالمجتمعات لا تتفكّك حين تختلفُ الآراء، بل حين يفقد الناسُ القدرةَ على الإصغاء. ولا يتماسك المجتمعُ لأن الجميعَ متشابهون، بل لأنهم يتقنون فنَّ بناء الجسور رغم الاختلاف. الاختلافُ ثراءٌ، والخلافُ انهيار.

فى بدايات الحضارات كانت المدن تُبنى من الحجر. أما اليوم فالمجتمعات تُبنى من الكلمات. وحين تضعفُ الكلماتُ، ترتفع الجدرانُ والحواجز بين البشر. حين يتراجع الحوارُ، يتقدم الصراخ. وحين نعجز عن سماع الآخر، نبدأ فى الخوف منه، ثم كراهيته، ولا يتبقى إلا نفى حقّه فى الوجود.

«الاستقطاب»، فى أصله مصطلحٌ فيزيائى وكيميائى. لكن المصطلح يأخذ سمته السياسى والاجتماعى حين يحدث انقسامٌ حادٌّ فى نسيج المجتمع وتتقلص المساحات الوسطية، فينحاز الأفرادُ إلى مواقف أيديولوجيات متطرفة، فنسمع عبارة: «نحن» ضد «هم». يحدث هذا بسبب ضعف لغة الحوار والمثاقفة، والتحيزات الإعلامية، وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعى التى تعزل الأفراد داخل فقاعاتٍ فكرية تشبه آراءهم فقط. وهذا، بكل أسف، صار أحد أعراض عصرنا. عصرٌ مَنَح كلَّ إنسان منبرًا، لكنه لم يمنحه حكمة استخدامه. عبر منصّات التواصل، صار بإمكاننا التحدث إلى العالم كله، لكننا بِتنا أقلَّ قدرةً على الإنصات. نعيش داخل دوائرَ مغلقة من الآراء المتشابهة، ونظن أن العالم كله نسخةٌ منا. فإذا صادفنا رأيًا مختلفًا، تعاملنا معه كما لو كان تهديدًا، لا اجتهادًا آخر فى فهم الحياة.

ولعلّ هذا هو التحدى الأكبر الذى علينا مواجهته اليوم: كيف نحافظُ على وحدتنا دون أن نتشابه؟ وهذا مبدأ معمارى جميل تعلمناه فى كلية الهندسة يربط فنَّ العمارة بعلم الجمال والفلسفة. المبدأ اسمه Diversity within Unity أو التنوّع عبر الوحدة. هذا المبدأ العبقرى هو الذى يصنع سيمفونية بصرية ساحرة توازِنُ بين التنوع والتوحد، ويحمى التصميم المعمارى من الوقوع فى فخّين: الملل الناتج عن الرتابة، والفوضى الناتجة عن التشتت. وما ينطبق على العمارة ينطبق قطعًا على المجتمع. فهذا المبدأ يمكننا من أن نصون وحدتنا دون أن نُصادر اختلافاتنا.

الحضارة المصرية عبر آلاف السنين علّمتنا أن احترام التعددية ليس شعارًا أخلاقيًا جميلًا فحسب، بل ضرورةٌ وجودية وحتمية حضارية. فمصر لم تُصنع من عنصر واحد، ولا من طبقة ثقافية واحدة، بل من طبقات متراكبة من البشر والأفكار واللغات والديانات والتجارب. كانت دائمًا مساحةً للقاء والتفاعل، أكثر منها مساحةً للتطابق. وهكذا دائمًا؛ قوة المجتمع لا تُقاس بمدى تشابه أفراده، بل بمدى قدرتهم على الحياة الجميلة رغم الاختلاف والتنوع، الذى من شأنه أن يخلق الثراء، لا الشتات.

هنا يأتى دور الثقافة والفنون، والقوى الناعمة بوجه عام. مخطئٌ مَن يرى الفنون نوعًا من الترف الجميل. بل هى إحدى أدوات البقاء. فالإنسان لا يقرأ الرواية ليقتل الوقت، بل ليعيش حياةً أخرى غير حياته. ولا يشاهد المسرحية أو الفيلم للتسلية، بل ليتدرب على رؤية العالم بعينى شخص آخر، بل شخوص آخرين. هنا يتمرّن المِخيالُ البشرى فيصير أخصبَ وأقدر على إنعاش الخيال. فتصيرُ «الأنا» «أنا عُليا» حين تحترم «الهو»، أى الآخر. هنا ينحسرُ التعصّبُ ويبدأ المجتمع فى الترقى والازدهار. فالتعصب يبدأ حين يعجز الإنسانُ عن تخيل الآخر، ويخفق فى أن يشعر بمشاعره، فيكون من السهل عليه جرحه، بل اغتياله معنويًّا. والأدب العظيم تدريب يومى على هذا التخيّل. وكذلك الفنون الرفيعة، التى هى أهم الجسور غير المادية التى توحّد البشر، رغم تنوعهم. السياسة ترسم حدود الخرائط، بينما الثقافة ترسم خرائط القلوب. وعن تلك الجسور الخفية التى تبنيها الثقافة بين البشر، نواصل الحديث فى المقال القادم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاختلافُ وفن بناء الجسور 1 الاختلافُ وفن بناء الجسور 1



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt