توقيت القاهرة المحلي 22:06:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«فرج فودة».. عِشْ ألفَ عام!

  مصر اليوم -

«فرج فودة» عِشْ ألفَ عام

بقلم - فاطمة ناعوت

فى شهر يونيو من كلّ عام، يتذكّر المثقفون داخل مصر وخارجها رجلًا نبيلًا من طراز فريد، غُدِر برصاصتين فى قلبه، فعاش أكثر من قاتليه. خَلُدَ اسمُ المفكّر التنويرى فى ذاكرة العالم، واندثر اسمُ قاتله الذى نجا بجريمته. فالعظماءُ عصيّون على النسيان وإن رحلوا، والخاملون منسيون وإن عاشوا.كان من أوائل مَن فضحوا فِكرَ الإخوان الانتهازى وشهوتهم العمياء للوصول إلى كرسى الحكم سيرًا على جثامين البشر. ولا شك عندى بأن آراءه التى طرحها فى كتبه، لو كانت دُرِّست فى المدارس منذ أربعة عقود، لما استفحل الفكر المتطرف الذى خرّب وجه مصر المشرق نصف قرن.

هو الرجلُ الوطنى الذى أحبَّ مصرَ بكل خفقات قلبه، فقدَّم روحَه قربانًا لتنوير دروب صَنعَ عتمتَها ظلاميون سُودُ القلوب شاغرو العقول. دافع عن العقل النقدى البنّاء الذى يفكّر ويحلل ويستنتج. وتنبأ بأن الشعب المصرى سوف يلفظ الفكر الإخوانى والتطرف، وصدقت نبوءةُ الرجل المستنير.

فى يونيو ١٩٩٢، اخترقت رصاصةٌ عمياءُ قلبَ رجلٍ كان يحلم بمصر أجملَ وأعدلَ وأكملَ وأرقى، فدفع عمرَه ثمنًا لهذا الحُلم العصىّ. طارت روحُه إلى عالم العدل والكمال، ولم تزل كلماتُه فى عقول من حملوا عنه مشعلَ التنوير؛ فعاش أكثر من قاتليه الذين لا يذكرهم أحدٌ إلا باسم: «قتلة فرج فودة»؛ فأصابتهم لعنةُ أن يظلوا نكراتٍ حاملين اسم شهيد استشهد على أياديهم.. لكن حلمه العصىّ بدأت ترتسم ملامحُه اليوم فى مصر الراهنة.

حارب الإرهاب الفكرى فى كتابه «النذير»، قائلا: «تيار الإسلام السياسى نجح فى تكوين دولة موازية تستخدم نفس أجهزة ومؤسسات الدولة الحاكمة». استشرف مبكرًا خطر جماعة الإخوان، التى كانت الرافد الأساس للإرهاب المسلّح منذ ثلاثينيات القرن الماضى، وأفرخت تياراتٍ وليدةً تمارس أشكالًا شتى من العنف باسم الدين.

أحدُ صنّاع الجمال، الذى علّمنا أن ننتقدَ ما يحيد عن ساحة الجمال والتحضُّر. عاش يحاربُ القبحَ والعنفَ والوحشية التى تُبكى وجهَ السماء. فحاربه أعداءُ الجمال مثلما حاربوا «نصر أبو زيد»، و«الإمام محمد عبده»، و«طه حسين» و«الحلاج» و«السهروردى» و«ابن عربى» و«أبوبكر الرازى» و«ابن رشد».. وكل مَن دعا إلى إعمال العقل بالعلم، وإعمار القلب بالحبِّ من أجل الوصول إلى جلال الله الأعظم. فيهم مَن كُفِّر ومن نُفى ومن قُتِل ومن قُطّعت أطرافُه وحُرق وصُلب وضُرب على رأسه بمؤلفاته حتى فقد البصر.. لكنهم جميعًا خُلِّدوا وانقطع ذكرُ قاتليهم.

أوقنُ أن يومًا قريبًا فى ظلّ «الجمهورية الجديدة» المستنيرة بنور العلم والفكر والعدل والتحضّر والسمو، سوف يشرقُ اسم «فرج فودة» على مدرجات الجامعات وفى كتب المدارس ومناهج التعليم حتى يتعرّف النشءُ الصغير على رموز بلادهم وحملة مشاعل التنوير. أوقنُ أن اسم «فرج فودة» سوف يشرقُ فى جنبات مصر والعالم العربى مثلما يشرقُ اسم «ابن رشد» فى جنبات أوروبا التى مازالت تدينُ له بنهضتها الفكرية والعلمية الكبرى.

فى إسبانيا، أحرصُ على العروج إلى مدينة «قرطبة»؛ لكى أتجول فى شوارعَ ومدارسَ وجامعاتٍ وميادينَ تحمل اسمَ Averroues. أما Averroues فلم يكن ممثلًا أمريكيًّا شهيرًا، ولا هدّافًا فى فريق ريال مدريد، ولا شاعرًا إنجليزيًّا، ولا رسامًا فرنسيًّا من عصر الرينيسانس، ولا روائيًّا روسيًّا، ولا موسيقارًا ألمانيًّا يستحق تخليده على هذا النحو اللافت فى أوروبا.. بل كان شيخًا مسلمًا مثقفًا من القرن الثانى عشر اسمه: «أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد»، ولِد فى قرطبة الأندلسية، ومات حزينًا منفيًّا فى مراكش المغربية بعدما طُرد من بلاده، لأن ثقافتنا بكل أسف تحارب الأذكياء الواعين وتحتفى بالخاملين المظلمين.

كان طبيبًا وفيزيائيًّا وفلكيًّا وفيلسوفًا وقاضيًّا. احتفى به الغربُ لأنه كان كلَّ ما سبق. وحاربه متطرفو المسلمين لأنه كان كل ما سبق!.. وتلك واحدة من عجائب الزمان!. ذبحوا تاريخَه، واغتالوا إرثه، لأنه ارتكب الجريمة الكبرى التى لا يغفرها الظلاميون. كان «يفكّر» و«يعقل» فى مجتمعٍ يكره التفكير ويمقت العقل. مقتوه لأنه قال: (الحقُّ لا يضادُّ الحقَّ. الدينُ حقٌّ والفكرُ والفلسفةُ حقٌّ. والحقّان لا يتضادان)، فرماه الجهلاءُ بالكفر والزندقة وأحرقوا كتبَه النيّرة.

وكما تحتفى أوروبا بالعظيم «ابن رشد»، أنتظرُ بإذن الله يومًا مشرقًا تحتفى فيه مصرُ بالعظيم «فرج فودة»، فتضعُ اسمَه على المدارس والميادين وقاعات الجامعات. وكلى إيمانٌ بأن هذا اليومَ صار وشيكًا فى ظلّ مصر الراهنة المشرقة بنور العلم والتنوير والعدالة والتحضر.

رحم الله شهيدَ الكلمة «فرج فودة» وأنار مِشعلَه الذى لا يخبو. «الدينُ لله.. والوطنُ لمن ينادى باستنارة الوطن»

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«فرج فودة» عِشْ ألفَ عام «فرج فودة» عِشْ ألفَ عام



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 18:45 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

مجلس الوزراء السعودي يرفض المساس بوحدة الصومال وسيادته
  مصر اليوم - مجلس الوزراء السعودي يرفض المساس بوحدة الصومال وسيادته

GMT 20:35 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

مكملات غذائية يجب على مرضى السكري تجنبها
  مصر اليوم - مكملات غذائية يجب على مرضى السكري تجنبها

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 06:22 2024 الجمعة ,09 آب / أغسطس

عمرو أديب يحذر من فيلم سبايدر مان الجديد

GMT 12:32 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع الكوليسترول يزيد احتمال الإصابة بألزهايمر

GMT 11:11 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

انعقاد الجمعية العمومية للفنادق السياحية

GMT 14:33 2019 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

جنى عمرو دياب توجه رسالة إلى شقيقتها في عيد ميلادها

GMT 22:39 2019 الجمعة ,15 شباط / فبراير

ميرنا وليد تؤكد "عيد الحب" يعطيني طاقة إيجابية

GMT 03:30 2019 الجمعة ,01 شباط / فبراير

هوية أوروبا فى قلب انتخابات البرلمان الأوروبى

GMT 05:10 2018 الإثنين ,23 إبريل / نيسان

أفكار لتزيين "كوشة العروس" بطريقة بسيطة وأنيقة

GMT 21:14 2018 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

هاينكس يدين ما أسماه "غياب الأخلاق" بين المحترفين

GMT 00:02 2023 الإثنين ,24 إبريل / نيسان

نيوكاسل يلقن توتنهام درسا قاسيا ويسحقه بسداسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt