توقيت القاهرة المحلي 17:32:46 آخر تحديث
  مصر اليوم -

دقّوا الشماسى

  مصر اليوم -

دقّوا الشماسى

بقلم - فاطمة ناعوت

كنتُ، مثل معظم أبناء جيلى، طفلةً بريئة، أُصدّقُ ما يُقال لى لأننى لا أفترضُ فى الناس إلا الصدق. كنتُ عنيدةً، متمردةً، شاطرة فى المدرسة، وأفكارى تسبق عمرى، ورغم كل ما سبق، من السهل جدًّا خداعى. كنتُ فى الرابعة من عمرى حين شاهدتُ إعلان فيلم «أبى فوق الشجرة»، فركضتُ إلى أبى وسألته: لماذا صعد الأبُ فوق الشجرة؟، فأنبأنى أبى الشاعرُ: «حتى يكلِّمَ العصافيرَ ويبنى معها أعشاشَها»، فقررتُ أن أتسلّق الشجرةَ لأكلم العصافير.

وكلّما أطلَّ الصيفُ برأسه من نافذة الحياة، وبدأ الحديثُ عن البحر والشمس والمصايف، أتذكر أغنية «دقوا الشماسى»، التى صُوِّرت على بلاج الإسكندرية الساحر فى أيام طفولتنا. وأتذكر حكايتى مع فيلم «أبى فوق الشجرة»، الذى قرر أبى وأمى مشاهدته فى السينما. توسّلت لأمى أن أذهب معهما لأننى أريد أن أشاهد «عمو وهو بيطلع فوق الشجرة ليكلّم العصافير»!، ورفضت أمى بالقطع لأنه «فيلم للكبار فقط». لكن أبى الطيب أقنعها أننى بالتأكيد سوف أنام مباشرة بعد فقرة «ميكى ماوس»، التى كانت تُعرض فى السينمات قبل الأفلام، فلا خوف إذن على طفلة لا تعِى من أمرها شيئًا!، وهذا ما حدث. استغرقتُ فى النوم بعد والت ديزنى مباشرة. لكننى كنتُ أصحو من النوم منتفضةً بين الحين والحين لأسأل أمى: «ماما عمو طلع فوق الشجرة ولّا لسه؟»، تُجيب أمى: «لسه.. نامى يا حبيبتى. لما يطلع فوق الشجرة هصحِّيكى»، وطبعًا صدّقتُ وعد أمى بأنها ستوقظنى حين يطلع عمو فوق الشجرة. كنتُ أصغر من فهم المجاز الأدبىّ الذى اختاره «إحسان

عبدالقدوس» فى عنوان الرواية ليشير إلى وقوع الأب فى نفس الفخ الذى حاول إنقاذ ابنه منه. كل ما كان يعنينى هو مشهد رجل وسيم وأنيق يشبه أبى، وهو يصعد فوق الشجرة ليلعب مع العصافير ويغنى حتى تعلّمه العصافيرُ الطيرانَ، مثلما كنتُ أحلمُ بتعلّم الطيران. لا أظن أن أطفال اليوم قد يفكرون على هذا النحو الساذج الذى كنتُ عليه فى الرابعة من عمرى.

وتوالتِ العقود وشاهدتُ الفيلم بعين النوستالجيا. زرقة بحر الإسكندرية، والرمال النظيفة والشماسى الملوّنة الجميلة، والبنات الجميلات يرتدين الفساتين، ويلعبن الراكيت والحبل والكرة ويغنين ويرقصن فى طفولة وعذوبة دون أن يضايقهن أحدٌ، ودون أن ينظر إليهن أحد باعتبارهن صيدًا سهلًا أو طرائد يهربن من عيون القناصين. كان الزمن نظيفًا وكانت العقول نظيفة والقلوب نظيفة.

صحيح أننى لم ألحق من ذلك الزمن إلا سنوات قليلة كنتُ فيها طفلة لا تعِى الكثير، وأمضيتُ صباى وشبابى فى الزمن «نصف النظيف»، لكن ثمة جيلٌ كامل لم ير أصلًا ذاك الزمان، إلا فى الأفلام «الأبيض والأسود»، التى صاروا يشاهدونها بعيون الاغتراب كما يشاهدون الأفلام الأجنبية التى تنتمى إلى مجتمعات غريبة وأزمنة غريبة، لا تمتُّ لعصرنا ولا لبلادنا بأى صلة. فى ذلك الزمن النظيف، كانت أمى تخرج بالكعب العالى والملابس الشانيل، وتضع الفرير حول كتفيها، دون أن تتفرّس العيونُ الجائعةُ فى جسدها، ودون أن ترميها الألسنُ الطولى بخادش القول، ودون أن يخشى عليها أبوها أو زوجها أو شقيقها من تحرّش أو بذاءة. كانت كعوب الأحذية رفيعة لا تنكسرُ فى الطرقات لأن الطرقات مستوية والأرصفة ممهدة للسير غير مستلبة بالإشغالات وضجيج الباعة. وكانت الأحذية البيضاء لا تتلوث فى الشوارع لأن الشوارع نظيفة. وكانت الأرواحُ لا تتصدع ولا العيونُ تشمئز ولا الآذانُ تنفرُ لأن المجتمع كان نظيف الروح والعقل والبدن.

أعرف أن معظم مَن يقرأون هذا الكلام الآن، سواء كانوا من جيلى أو من جيل أحدث أو أقدم، يفرّون من لحظتنا الحالية إلى الماضى النظيف عبر تلك الأفلام القديمة »الأبيض والأسود«. نبحث عن جمالنا المغدور فى وجوه جداتنا وأمهاتنا وأجدادنا وآبائنا. نبحث عن أناقة مصر المسروقة، فى أناقتها القديمة ونظافتها الغابرة التى قتلها الزمانُ. لا، خطأ!. الزمانُ لا يقتلُ جمالَ البلدان، بل المفترض أن يزيدها حسنًا وعراقة إن شاء ذلك أبناءُ تلك البلدان وأرادوا. البشر هم مَن يصنعون الجمال أو يقتلونه إن أرادوا. نحن مَن قتل أناقة مصر وحُسنها، وأوغلنا فى إزهاق روح نظافتها، حتى غدونا الآن نقولها مع زفرة حسرة ووجع: »آآآآه!، كان زمن جميل!، كان زمن نضيف!». الزمنُ الذى طلع فوق الشجرة، ولم يعد. علينا اليوم أن نستعيد حُسنَ مصر ونظافة عقلها وقلبها ونعيد بناء ما تهدّم من براءتها، ونحن قادرون على ذلك، و«الجمهورية الجديدة» تستحق. ودقوا الشماسى!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دقّوا الشماسى دقّوا الشماسى



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt