توقيت القاهرة المحلي 19:04:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عيد المرأة هو مقعد فى الشمس

  مصر اليوم -

عيد المرأة هو مقعد فى الشمس

بقلم : تمارا الرفاعي

  علقت على حائط مكتبى لائحة بأيام عالمية يقوم الإعلام بالاحتفال بها، أو بمعنى أدق يذكر الإعلام بموضوعها عندما يأتى ميعادها. ويصادف هذا الأسبوع اليوم العالمى للمرأة، وهو يوم أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة كتاريخ ثابت ما إن يرن جرسه حتى تحتشد المحافل السياسية والثقافية والفكرية بمواضيع خاصة بحقوق المرأة، وتفرد الصحف المطبوعة والمنابر الافتراضية مساحات لإبراز إنجازات نساء تفوقن فى مجالاتهن، فتلك التى تبوأت مناصب عليا فى حكومة بلدها، والثانية التى سجلت براءة اختراع، والثالثة التى ألفت كتبا أدبية، والرابعة التى أصبحت نجمة سينمائية، وغيرهن من السيدات اللواتى تركن أثرا فى الفضاء العام بفضل إنجازاتهن.

لكن بعيدا عن الرسميات، لا يبدو أنه يتم الاحتفال بالمرأة فى يومها العالمى، بمعنى أننى لم أشعر يوما أن ثمة من يحتفل بى، كما أننى لم أحتفل أنا نفسى بأى امرأة أعرفها، بمعنى أننى لم أبارك قط لصديقة بيومها، يومنا، يوم المرأة هى وأنا وغيرنا، وذلك على عكس أيام أخرى كعيد الأم مثلا حين تزدحم محلات الورد والهدايا بمحتفلين هم فى طريقهم إلى زيارة أم، أمهم أو أم غيرهم ليهنئوهن بيومهن الخاص.

لماذا لا تحتفل النساء بيومهن؟ دعونا نتخيل أبعاد الاحتفال، كأن تأخذ المرأة ذلك اليوم كيوم راحة تامة سوف تقضيه كما تحب. ها هى إذا تمضى بعض الوقت فى الصباح فى احتساء القهوة من فنجان كبير. هى تجلس فى كرسى مقابل الشباك وتشرب القهوة فى رشفات صغيرة وبطيئة، على عكس الأيام العادية التى تبتلع فيه الشراب وهى تبدأ مهامها. اليوم ما زال فى أوله لكنه يومها وسوف تقضيه كما تشاء دون مسئوليات.

تخرج المرأة إلى الشارع فتقف دقائق فى شمس شهر مارس، شمس الربيع. لا هدف لديها من الخروج سوى أن تستمتع بجو يندر توازنه فى أيام كثيرة ثانية، فلسعة آخر الشتاء سرعان ما ستذوب فى شمس خلعت عنها رداء الخجل وبدأت بالتمختر فى السماء. تتمشى المرأة وتنظر إلى فوق، حيث تركت طائرة مرت من هنا خطا أبيض يقسم الزرقة فوق رأسها. تجلس على مقعد فى الشارع وتنظر إلى المارة. ها هى بائعة الخضار ترص خيرات الأرض أمامها. هو يومها أيضا، تدعوها لتجلس قربها على المقعد فى الشمس فتنصاع البائعة تاركة لقمة العيش على الرصيف. تركن ظهرها على ظهر المقعد وتنظر أمامها.

لحظات وتمر من أمام المرأتين الدكتورة صاحبة صيدلية الحى. أهلا أهلا صباح النور، إلى أين العزم؟ كيف ذلك يا دكتورة، تفضلى هنا بقربنا فاليوم يوم المرأة وهو يوم إجازتنا. ترمقهما الدكتورة ففى ما سمعته بعض الغرابة لكنها تجلس فعلا هى الأخرى قرب المرأتين. ها هى عاملة النظافة تقترب منهما فى طريقها إلى عمارة فى آخر الشارع. تفضلى اجلسى يا أم ليلى فاليوم يوم المرأة العالمى. ترفع عاملة النظافة حاجبا باستغراب وتلمع عيناها بسؤال تجيبها عليه السيدات الجالسات: اليوم يومك، يقلن وهن يلتصقن أكثر ببعض لإفساح مكان تجلس عليه الأخيرة.

تعدل الجالسات من جلستهن مرة أخرى إذ لمحن أم الأطفال وهى تقترب من المقعد بعد أن أوصلت أبناءها إلى المدرسة الابتدائية فى الناحية الثانية من الحى. تتساءل عم يفعلنه السيدات الأربعة ملتصقات على كرسى دوما يشغله رجال الحى فيؤشرن لها بالجلوس معهن. بلحظة ما تجلس الأم بينهن تنتبه أنها المرة الأولى التى تتوقف فيها عن الحركة فى هذه الفترة الصباحية، وهى الفترة الأكثر ازدحاما من يومها، ففى الصباح يكون لديها ساعات قليلة تجرى فيها على عملها ثم على ترتيب بيتها وتحضير الطعام. هل فعلا هناك من يجلس هكذا على مقعد خشبى فى الشارع فى يوم عادى وينظر إلى المارين ويتدفأ بشمس الربيع، وكأن الحياة هى جلسة سمر مع صديقات لا شىء وراءهن سوى الاستمتاع بصداقتهن فى الربيع؟

إنه اليوم العالمى للمرأة، تقول صاحبة الصيدلية، فترمقها بائعة الخضار نصف ساخرة. ماذا يعنى ذلك؟ يعنى هل يتضمن الاحتفال بيعا أوفر اليوم؟ هل أعود فأجد البيت نظيفا لأن أحدهم تولى المهمة؟ تمتعض أم الأطفال، تطلب ألا تنكد بائعة الخضار عليهن الاحتفال. أى احتفال، تسأل بائعة الخضار. احتفالنا هو أن نبطئ من إيقاعنا فنجلس هنا ننظر إلى حياة الصباح تمر أمامنا فنلتقط تفاصيلها وكأننا ضغطنا على زر جهاز التحكم، ترد أم الأطفال. الإبطاء أصلا فن يا سيدات. أن نجلس لحظات نأخذ فيها أنفاسنا هى هدية يجب أن نفتحها اليوم تحديدا، يوم عيد المرأة. يمضى الصباح من على المقعد فى الشارع دون أن يقدم أحد حتى وردة للدكتورة أو للبائعة أو للاثنتين الأخريين.

 اليوم العالمى للمرأة هو يوم أحتفل بصديقتى أيا كانت، أحتفل بصداقتنا وبمساندتها لى، امرأة لامرأة، ونحن نجلس على مقعد دون هدف ننظر إلى الحياة. هو يوم بائعة الخضار وعالمة الذرة معا. هو يوم تجلس المرأة بعض الوقت على هامش الازدحام لتفكر قليلا بحياتها وبنفسها، لأن باقى أيام السنة يكون المقعد محتلا من قبل رجال فى الحى. كل عام وهى بخير.

  نقلًا عن الشروق القاهرية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عيد المرأة هو مقعد فى الشمس عيد المرأة هو مقعد فى الشمس



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt