توقيت القاهرة المحلي 06:54:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الانتخابات في مجتمعات الفضيحة

  مصر اليوم -

الانتخابات في مجتمعات الفضيحة

بقلم - مأمون فندي

ترشُّح الفريق سامي عنان رئيس أركان القوات المسلحة المصرية الأسبق، ربما هو الحدث الأهم في انتخابات الرئاسة المصرية القادمة في 26 إلى 28 مارس (آذار) 2018، والتي كان يظنها الكثيرون محسومة نتائجها لصالح الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. فمرشح بثقل سامي عنان، وفريقه المدني المقترح من نواب مثل المستشار هشام جنينة والدكتور حازم حسني، يخلق حالة تنافسية حقيقية، هذا إن لم يتنازل الفريق قبل موعد الانتخابات كما حدث مع الفريق أحمد شفيق. ولهذا أظن أن المهم ليس الحديث عن الحالة الانتخابية بقدر الحديث عن الانتخابات في مجتمع الفضيحة بشكل عام. وبمجتمع الفضيحة أعني التعريف الأنثروبولوجي القديم الذي صنف معظم المجتمعات الشرقية بمجتمعات الفضيحة، مقابل مجتمعات الإحساس بالذنب في الغرب. وكلاهما وسيلة من وسائل التحكم الاجتماعي في سلوك الأفراد. ففي مجتمعات الفضيحة يتم التحكم في الأفراد منذ الطفولة بمسألة السمعة الاجتماعية ومدى تأثيرها على عزل الفرد كالجمل الأجرب خارج الجماعة أو بقائه جزءاً منها، وكل هذا يعتمد على الفضيحة وعدمها. مصر ليست الوحيدة في مجتمعات الفضيحة، بل تصنَّف ضمن مجتمعات الفضيحة بلدان وثقافات أخرى شرقية مثل اليابان والصين، والتي توصل الفضيحة الفرد فيها إلى حالة الانتحار وقتل النفس كحالة أفضل من الحياة مع الفضيحة.

أحد الفيديوهات المتداولة في مصر بعد إعلان الفريق سامي عنان هو فيديو للإعلامي أحمد موسى الذي يهدد فيه الفريق عنان بكلمة واحدة «حعورك»، والتي تعني سأفضحك لدرجة مؤلمة. وكان هذا الفيديو ضمن حملة لمنع الفريق عنان من الترشح للانتخابات السابقة، ولم يكن هذا فيديو التهديد بالفضيحة الوحيد، بل كانت هناك فيديوهات شبيهة من قبل الإعلامية لميس الحديدي وإعلاميين آخرين، وقد نجحت تلك الحملة يومها، فهل ستنجح هذه المرة؟ بالطبع ليست الفضيحة هي الوسيلة الوحيدة في المجتمعات التسلطية، فهناك أدوات أخرى أكثر قسوة ولكن ليس هذا مجال تحليلها، حيث يركز هذا المقال على فكرة مجتمعات الفضيحة قبل التطرق إلى المستوى الأعلى فيما يسمى مجتمعات القهر.

في الحالة المصرية لا يخص موضوع الفضائحية انتخابات الرئاسة، ولكنه يخص الصراعات الاجتماعية عموماً من أصغرها إلى أكبرها كوسيلة ناجعة للتفوق على الخصوم، وفي الفضائحية ما يسميه العرب الفجور في الخصومة، مما يجعل المصالحة فيما بعد المعارك أمراً شديد التعقيد، على العكس من المجتمعات الغربية التي تنتهي فيها فضائح الانتخابات بنهاية الانتخابات.

في المجتمعات الفضائحية تتحول الفضيحة إلى تخصص، فكما كان في السابق ما عُرف بـ«النائحات المحترفات» وهن مجموعة من النسوة متخصصات في العديد في الجنائز ينتحبن مقابل أجر يدفعه أهل الميت، أصبح اليوم في الإعلام ما يقابل تلك الحرفة. ولا تقتصر الفضيحة، كما النواح، على النساء فقط، بل تفوّق الرجال في فنون الفضائح وأدواتها.
في مجتمعات الذنب التي يعيش فيها المواطن كمجرد فرد مستقل يكون الرقيب الداخلي هو المتحكم في السلوك الاجتماعي، أما في مجتمعات العار أو الفضيحة فالرقيب هو المجتمع برمته ومنها تكون قوة تأثير الفضيحة.

الأخطر في الأمر هو عندما يُبنى النظام السياسي وتكون الفضيحة فيه هي المفهوم الحاكم. وقد أسس رئيس المخابرات السابق لهذا المفهوم بابتزاز الخصوم من خلال تهديدهم بفضح سلوكهم، خصوصاً الجنسي منه. وتطور مفهوم صلاح نصر ليس ليصبح عنصراً حاكماً في عالم التخابر، وإنما أصبح المفهوم هو العمود الفقري لنظام اجتماعي وسياسي كامل.
الفضيحة كأسلوب تهديد وابتزاز هي إحدى علامات الضعف لا علامات القوة، هي مؤشر على هشاشة المجتمع ونظامه القيمي، وفي المجتمعات الهشة تكون الفضيحة هي الخيار النووي أو التهديد بالفناء. كما أن اعتماد أي مجتمع على الفضيحة كوسيلة تحكم اجتماعي يعني أيضاً أنه مجتمع بلا نظام قضائي، أو أن القضاء فيه يعاني من هشاشة أيضاً، مما يجعل الناس يلجأون إلى الفضيحة لا إلى القانون كخيار للردع.

المخيف في الحالة المصرية هو قدرة المجتمع على استخدام التكنولوجيا الحديثة لتطوير ثقافة الفضيحة، لتصل إلى حالة من الانحطاط الاجتماعي غير المسبوقة.
علاقة كل هذا بالانتخابات الرئاسية القادمة في مصر؟ فالغرب الذي تكون فيه المواطنة هي أساس العلاقة الاجتماعية تكون قمة الفضيحة مرتبطة بارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون، أما في مجتمعاتنا التي لم تصل إلى حالة الفردية ولم تتطور فيها فكرة المواطنة بعد، فالفضيحة هي أمر يخص إقصاء الفرد خارج الجماعة أو خارج ديار القبيلة، ونحن حتى الآن ما زلنا قبائل رغم بهرجة الحداثة التي تحيط بنا، أو أننا في أحسن الأحوال إن لم نكن قبائل بالمعني البيولوجي العضوي فنحن ننتمي إلى قيم القبيلة. الانتخابات الرئاسية وغير الرئاسية في مصر رغم التحولات الاجتماعية التي صاحبت موجتين من الثورة، ما زالت تعتمد الفضيحة سلاحاً أول وأخيراً، وإن لم تنتقل مصر من عالم مجتمع الفضيحة إلى عالم المعلومات والعلم والعقل فلن يفيد فيها كثيراً مَن سيكون الرئيس، في مجتمع الفضيحة الشيء الوحيد الذي يحدث له تحديث هو التخلف. ولموضوع تحديث التخلف كعنوان أشمل مقال آخر. وللحديث بقية.

نقلا عن الشرق الاوسط اللندنيه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الانتخابات في مجتمعات الفضيحة الانتخابات في مجتمعات الفضيحة



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt