توقيت القاهرة المحلي 01:49:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تعقيدات الهُويَّة وأنثروبولوجيا إسلام الخارج

  مصر اليوم -

تعقيدات الهُويَّة وأنثروبولوجيا إسلام الخارج

بقلم:مأمون فندي

قصة أحمد الأحمد، السوري الأسترالي، الذي خاطرَ بحياته لينقذ يهوداً من القتل في أستراليا انتشرت كما النار في الهشيم كبطل مسلم، وفي الوقت ذاته ألصقت دوائرُ إعلاميةٌ غربية العنفَ بالإسلام؛ لأنَّ الجاني الآخر وابنه مسلمان. ففي لحظة عنف أعمى، وقف أحمد الأحمد، مخاطراً بحياته ليمنع مسلمَين آخرَين من القتل. الجميعُ مسلمون، لكن لكلٍّ منهم تأويلُه، وسرديتُه، وفهمُه لإسلامه ولما يهدّد هويته. هذه المفارقة ليست فقهيةً ولا أخلاقية فقط، بل هي في جوهرها مسألة هوية كما تفهمها الأنثروبولوجيا السياسية. هذه الدوائر أسهبَت في تحليل المسلمين من الهند، ولم تتوقف إلا قليلاً عند إسلام الأحمد. ولكن كان هناك منصفون.

يقع المسلمون في الخارج والداخل في ورطة في تفسير ظاهرتين لمسلم يضحي بنفسه من أجل الآخرين، وآخر يمارس القتل باسم الدين. ولكي نفهم الظاهرة يجب أن نبدأ من أن هناك فرقاً جوهرياً، من منظور اجتماعي وأنثروبولوجي، بين الإسلام كما يُعاش خارج العالم العربي، وبين الإسلام كما يُعاش في الداخل. إسلامنا في الغرب هو، في أحد وجوهه الأساسية، هوية قبل أن يكون ممارسة دينية. هوية واعية، يقظة، تدرك هشاشتها داخل فضاء ثقافي أوسع لا يشبهها. أما إسلام أهل الداخل، فهو دين وثقافة موروثة، وربما عادة يومية. هذا الفرق ليس حكماً أخلاقياً ولا تفضيلاً قيمياً، بل توصيف بنيوي لطريقتين مختلفتين في تشكّل المعنى.

الهوية، كما تُجمِع أدبيات الأنثروبولوجيا، لا تتكوّن في الفراغ، بل في سياق علاقات القوة والحدود والشعور بالتمايز. قوة الأقليات تنبع من شعورها الدائم بالتهديد: تهديد الإقصاء أو الذوبان داخل ثقافة أوسع عبر مسارات الاندماج والاستيعاب. في هذا السياق، يتشكَّل الإسلام في الغرب كهوية حدودية، وفق ما يسميه فريدريك بارث «حدود الجماعة». حيثما وُجد الحد، اشتدَّتِ الهوية وازدادت صلابة. وليس مصادفة أن تكون الهويات الدينية الأكثر تماسكاً، هي تلك التي تعيش في التخوم الثقافية، سواء في فلسطين أو البوسنة أو كشمير، أو في أحياء المهاجرين في مدن الغرب الكبرى.

وحتى لا يُساء فهم هذا الطرح، لا بد من إدانة ما جرى ضد المدنيين في أستراليا إدانة واضحة لا لبس فيها. غير أن ما يعنيني هنا هو محاولة فهم حالتين من «إسلام الخارج»: واحدة حلَّلت القتل، وأخرى ضحّت بالنفس لإنقاذ الضحايا. كلتاهما يستحق الفهم والتأمل. فالمسلم في الغرب ليس كتلة واحدة، كما أنَّ «الغرب» ذاته ليس كياناً متجانساً. المسلم هنا يتحرَّك داخل سلّم هويات متدرج، تتراجع فيه الهويات الثانوية عندما تتعرَّض الهوية الكبرى لإخافة.

في هذا السياق، لا يُمارس الدين فقط، بل يُستدعى رمزياً للدفاع عن الذات في لحظات الاقتراب من الذوبان. لذلك ترى المسلم غير المتدين، أو المتجاوز شعائرياً، وربما الخارج لتوّه من حانة، أكثر تمسّكاً بالإسلام بوصفه هوية. يعيد إنتاجه سردياً عبر رموز بسيطة: لباس، حجاب، كوفية، اسم، أو حتى موقف سياسي. هكذا تُبنى «الجماعة المتخيلة»، بتعبير بندكت أندرسن، حيث تصبح الهوية قصة مشتركة تُستعاد كلما تعاظم الإحساس بالاختلاف والتهديد.

في المقابل، يبدو الإسلام في العالم العربي جزءاً من الهواء الاجتماعي الذي يستنشقه الفرد. لا يحتاج إلى إعلان ولا إلى دفاع رمزي. وحين تغيب المسافة، تضعف الرؤية. الهوية هنا مدمجة في اللغة والقانون والإيقاع اليومي والطقس الاجتماعي. هذا الإدماج، كما يشرح بيير بورديو، يحوّل الدين إلى «هابيتوس» غير واعٍ: ممارسة تلقائية تُؤدى دون تفكير، وتُهمل دون شعور بالخسارة. التَّرهل هنا لا يعني غياب الإيمان، بل الاعتياد عليه.

لهذا قد يقتتل مسلمو الداخل في حروب لا يكون الإسلام محركها الأساسي، أو يكون مجرد جزء من مادتها الثقافية. من هنا ينبغي الحذر من إقحام الدين في تفسير كل عنف داخلي؛ إذ قد تكون جذوره سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، كما في الحالة السودانية. معارك الداخل تختلف جذرياً عن معارك الهوية في الغرب، حيث تبقى الهوية مسألة وجود وحدود.

في الخارج، يظل الإسلام علامة حدودية داخل المجتمع الواحد، بينما يتحوَّل في الداخل إلى خلفية صامتة للأحداث، وأحياناً إلى تفسير متعجل لظواهر أكثر تعقيداً. في هذا الفرق تكمن الصلابة والهشاشة معاً. الهوية لا تقوى بكثافة حضورها، بل بحدة السؤال عنها. وكما يقول أمبرتو إيكو، إنَّ المعنى لا يولد من الامتلاك، بل من التأويل تحت الخطر. الإسلام، بوصفه هوية، يصبح أكثر وضوحاً حين يُسأل، لا حين يُسلَّم به.

من هذا المنظور، يمكن فهم ما فعله أحمد الأحمد لا بوصفه فعلاً استثنائياً، بل بوصفه تعبيراً عن سردية هوية تشكلت في سياق أقلوي ترى في القتل تهديداً لمعناها، لا تجسيداً له. في المقابل، من يقتل باسم الإسلام يفعل ذلك ضمن سردية أخرى تشكلت في فضاء مختلف، حيث لا تُسأل الهوية، بل تُستهلك.

وهكذا تتكشف المفارقة: كلما كان الإسلام بديهياً، تراجع حضوره كهوية فاعلة، وكلما أصبح موضع سؤال، ازداد تماسكاً ومعنى. تلك خلاصة أنثروبولوجية تفسر الصلابة في الهامش، والاعتياد في المركز، بعيداً عن الأحكام، وقريباً من تحليل المعنى والسلطة والتاريخ الاجتماعي. ومن هنا لا يمكن فهم قصة الأحمد إلا في سياقها الهوياتي، وتحدي تأويل إسلام الخارج في ظروف عالمية ومحلية معقدة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تعقيدات الهُويَّة وأنثروبولوجيا إسلام الخارج تعقيدات الهُويَّة وأنثروبولوجيا إسلام الخارج



GMT 08:27 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

أخطار الحرب الإيرانية خليجيّاً

GMT 08:25 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عناصر الفشل

GMT 08:24 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

هذا العالم... «مرة أخرى»

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

نار لبنانية من دون تدفئة

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

إيران وبعض أسئلة النزوع الإمبراطوري

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

حرب أهلية تهدد أميركا ترمب

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

تركيب الدولة العربية وتفكيكها

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الانتقال من اقتصاد الشركات إلى اقتصاد السلع

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 17:00 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق
  مصر اليوم - ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 13:28 2021 الإثنين ,31 أيار / مايو

عمرو موسى ضيف برنامج الحكاية مع عمرو أديب

GMT 09:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:42 2018 الأحد ,11 آذار/ مارس

ليفربول يصدم ريال مدريد بشأن محمد صلاح

GMT 09:06 2021 الأربعاء ,03 شباط / فبراير

قصة مقتل شاب بمشروب مجهول في حفل زفاف في الشرقية

GMT 17:43 2019 الجمعة ,01 شباط / فبراير

مصرية تطلب الخُلع لتصوير زوجها لها وهي عارية

GMT 12:35 2019 الأربعاء ,02 كانون الثاني / يناير

الفنانة ليال عبود تحصد الجائزة الكبرى في ليلة رأس السنة

GMT 21:27 2018 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

طارق الشناوي يؤكد أن إسماعيل يس كان سابقًا لعصره

GMT 09:31 2021 الثلاثاء ,09 شباط / فبراير

"هيومن رايتس" تنتقد "تقاعس" مصر في قضية "الفيرمونت"

GMT 00:09 2019 الجمعة ,18 تشرين الأول / أكتوبر

مرتضى منصور يردّ على بيان مجلس إدارة النادي الأهلي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt