توقيت القاهرة المحلي 11:55:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قصة جزيرتين... من إبستين إلى فلسطين

  مصر اليوم -

قصة جزيرتين من إبستين إلى فلسطين

بقلم:مأمون فندي

من جزيرة إبستين إلى فلسطين، يقف العالم اليوم أمام صدمة أخلاقية تبدو غير مسبوقة. ليست الصدمة في تفاصيل الفعل الجنسي أو في عدد الضحايا فحسب، بل في انكشاف بنية كاملة من الإذلال المنظَّم واحتقار الإنسان، وخصوصاً الأطفال. ما جرى على جزيرة إبستين ليس حادثة شاذة، بل يُعد تفشياً لوباء قديم ظهر كتقيحات على جسد الحداثة الغربية. والسؤال الذي يجب مواجهته دونما مواربة هو: هل سيتطور الوعي الأخلاقي في الغرب بعد فضيحة إبستين كما تطور بعد صدمة أسواق النخاسة في القرن التاسع عشر وما قبله، أم أن الضجيج الإعلامي مجرد ستار جديد لسوق قديمة؟

جزيرة إبستين ليست جديدة، فمن قبلها كانت جزيرة سان دومينغ (هاييتي اليوم) والمسافة بين الجزيرتين ليست مسافة جغرافية، بل مسافة أخلاقية في صورتها الأعمق. سوق النخاسة الجديدة بطائراتها الخاصة وملابس الفتيات القاصرات والسادة الجدد من ولايات الرق في آركنساه التي أتى منها بيل كلينتون هي السوق القديمة ذاتها بسلاسلها وأصفادها. كانت أسواق النخاسة في ليتل رووك حيث عاش كلينتون مستمرة حتى نهاية القرن التاسع عشر، وعندما زرت آركنساه في تسعينات القرن الماضي كان البيض لا يأكلون مع السود رغم القانون الذي يمنع هذه العنصرية، ولكنهم كانوا يحتالون عليها بتسمية المطاعم «أندية خاصة»، وبهذا لا تبدو العنصرية والنخاسة بعيدتين عن حياة كلينتون. مسارح سوق النخاسة تغيرت أسوارها وسماسرتها وزبائنها. الاستعمار والاحتلال يعدان الوريث الشرعي لسوق النخاسة: ألم يكن إبستين مغرماً بخرائط فلسطين وهو يتلذذ بتعذيب القاصرات؟ انشغل إبستين بأنفاق غزة لأنه بنى الأنفاق ذاتها في جزيرته، لا لمقاومة احتلال، بل لتعذيب من هم أضعف منه.

حين أُغلقت سوق الرقيق في زنجبار في القرن التاسع عشر بقرار من السلطان برقاش، لم يكن الحدث مجرد قرار إداري، بل كان اعترافاً متأخراً بأن عرض الفتيات والفتيان في الساحات وفحص الأجساد كما تُفحص السلع، ليس من أخلاق العصر. ومع ذلك، لم تُغلَق السوق لأن الضمير الإنساني استيقظ فجأة، بل لأن صورة المجتمع أمام نفسه وأمام العالم أصبحت لا تُحتمل، ولا يمكن تسويقها أو تبريرها.

في سان دومينغ، المستعمرة الفرنسية التي ستصبح هايتي، انفجر التناقض الأخلاقي بين شعارات الثورة الفرنسية عن الحرية والمساواة والإخاء وبين واقع ملايين البشر المسحوقين في مزارع السكر كرقيق. هناك ظهر اسم توسَّان لوفرتور بوصفه رمزاً للتمرد على هذا النظام، مؤكداً أن بعض المجتمعات لا تملك رفاهية الحوار الأخلاقي الطويل؛ فتتحول الأسئلة إلى ثورة.

في كلتا الحالتين، لم تكن المشكلة في وجود عبودية فحسب، بل في قبول المجتمع لنفسه وهو ينظر إلى الإنسان باعتباره مادة أولية للاستهلاك. وهذا هو لبّ القضية اليوم مع إبستين. ما الذي يجعل جزيرة خاصة في الكاريبي تتحوَّل إلى فضاء مغلق لانتهاك الطفولة؟ ليس الشذوذ الفردي وحده؛ بل شبكة حماية غير مرئية، ونفوذ سياسي، ومال عابر للحدود، وصمت مؤسسات، وإعلام يتعامل مع الجريمة بوصفها فضيحة شخصية لا بوصفها جريمة منهجية ضد جوهر الإنسان.

هنا يصبح السؤال أكثر حدّة: هل إبستين حالة منفردة؟ أم أنه تاجر أعاد تركيب أسوار سوق نخاسة قديمة بزبائن جدد وخطاب حداثي ناعم؟

النخاسة القديمة كانت علنية، لها نخّاس وساحة ومزاد. النخاسة الحديثة تعمل في الظل: شركات واجهة، ومؤسسات دبلوماسية، ومؤتمرات دولية، وجزر خاصة لا تطالها عين القانون إلا حين تتسرب فضيحة. الأخطر من الجريمة نفسها هي الطريقة التي تُروى بها.

الإعلام الغربي قدّم قضية إبستين كدراما شخصية: رجل ثري منحرف، وشبكة علاقات مشبوهة، وضحايا يتحدثن بعد سنوات. لكن أين النقاش الأخلاقي العميق؟ أين السؤال عن البنية التي سمحت له أن يعمل عشرات السنين دون أن يمسّ؟ وأين مساءلة المجتمع عن شهيته الدائمة لتحويل الألم إلى مادة استهلاك تلفزيوني؟

وهنا، بالذات، يصبح الانتقال من جزيرة إبستين إلى فلسطين ليس قفزة خطابية بل ضرورة أخلاقية. لأن منطق السوق واحد، وإن تغيّر شكلها. في إسرائيل، وتحت واقع الاحتلال في فلسطين، يُسجن الأطفال، ويُحقَّق معهم في غرف مغلقة، ويُجرَّدون من أبسط حقوقهم الإنسانية ويعتدي الجنود الإسرائيليون عليهم ولا يتحرك ضمير بيل كلينتون والذين معه. قد تختلف الأدوات وقد يختلف السياق السياسي، لكن جوهر الفعل واحد: تحويل الإنسان الضعيف والأطفال على وجه الخصوص إلى موضوع للسيطرة والإذلال وكسر الإرادة.

السؤال الصادم الذي يجب ألا نخاف من طرحه: أليس منطق السجن المغلق والتحقيق القسري وانتزاع الطفولة تحت الاحتلال في فلسطين هو جوهره ذاته ما جرى على جزيرة إبستين؟ الاختلاف في اللغة القانونية لا في البنية العميقة للسلطة حين تمتلك جسد الآخر وحريته.

هنا تتعرّى الحداثة الغربية أمام مرآتها. فمن جهة، خطاب عالمي عن حقوق الإنسان، وحماية الطفل، وكرامة الفرد. ومن جهة أخرى، صمت طويل على أنماط متكررة من الإذلال: في السجون السرية، في مناطق الاحتلال، وفي شبكات الاتجار الجنسي العابرة للقارات.

الصدمة التي فجّرتها قضية إبستين تشبه، في لحظتها الرمزية، الصدمة التي فجّرها إغلاق سوق زنجبار أو الثورة في سان دومينغ. لكنها تختلف في شيء جوهري: في القرن التاسع عشر كان السؤال يُطرح على بنية اقتصادية واضحة المعالم. أما اليوم فإن السوق الجديدة للنخاسة موزّعة، وشبكية، ومتخفية خلف شعارات الحرية الفردية والسفر المفتوح والعلاقات العابرة للحدود.

يبقى السؤال الأخير، وهو الأكثر قسوة: هل أحاديث التلفزيونات عن الفضائح في حقيقتها تفكيكٌ أخلاقي للسوق؟ أم أنها دعاية مجانية له؟ هل ما يفعله مذيعون حين يعرضون التفاصيل بلا سياق أخلاقي هو دعاية لهذه الممارسات البشعة بصورة حديثة أم مساءلة أخلاقية. هل عدم مساءلة الأنظمة التي تحمي المجرمين، واستبدالها بتافه القول، يعدان خدعة إعلامية جديدة؟ وهل التملص من ربط هذه الجرائم وأنماط أوسع من السيطرة على البشر، مثل الاحتلال في فلسطين هو رغبة من الإعلام في حماية وترميم سوق النخاسة القديمة بدلاً من هدم أسوارها وفضح ما يرى داخلها؟

إبستين، في هذه القراءة، ليس شيطاناً استثنائياً. إنه حلقة في سلسلة طويلة: تاجر في سوق متحوّلة، وسمسار في اقتصاد خفي يقوم على امتلاك الجسد، وشراء الصمت، وتحويل الإنسان إلى «قابل للاستعمال».

من زنجبار إلى سان دومينغ، ومن جزيرة إبستين إلى أطفال فلسطين، يتكرر السؤال نفسه، ولكن بأقنعة جديدة: هل يملك العالم الشجاعة ليعيد تعريف نفسه أخلاقياً حين يرى صورته في المرآة؟ أم سيكتفي مرة أخرى بإغلاق سوقٍ واحدة، وترك بقية الأسواق تعمل، ليس في ظلام، بل على الشاشات الزرقاء التي أصبحت تعمي القلوب التي في الصدور.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قصة جزيرتين من إبستين إلى فلسطين قصة جزيرتين من إبستين إلى فلسطين



GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

الصخب والعتم

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

«بيزنس» الإيجابية ومصلحة التطوير

GMT 07:47 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

يوم التأسيس... السعودية وفضيلة الاستقرار

GMT 07:44 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

دور تطوير حقل «غزة مارين» في إعادة إعمار قطاع غزة

GMT 07:42 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

بريطانيا... القضاء في مواجهة الحكومة

GMT 07:41 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

عن مخاطر انتخابات تفتقر للعدالة!

GMT 07:38 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

السؤال البديهي

GMT 07:35 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

التعليم بزيادة سنة

ميريام فارس تخطف الأنظار بإطلالات ملكية في الرياض

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 08:30 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة
  مصر اليوم - استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة

GMT 08:36 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

التمر خيار الإفطار الأمثل لتعويض الجسم بعد الصيام
  مصر اليوم - التمر خيار الإفطار الأمثل لتعويض الجسم بعد الصيام

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 10:39 2021 الخميس ,27 أيار / مايو

أسعار النفط تتجه إلى المنطقة الحمراء

GMT 20:34 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

التفاصيل الكاملة لذبح "عريس عين شمس" على يد 22 بلطجيًّا

GMT 04:49 2019 الخميس ,13 حزيران / يونيو

موجة من صيحات الموضة يشهدها موسم ربيع وصيف 2019

GMT 13:48 2021 الخميس ,15 إبريل / نيسان

التنانير الطويلة موضة في عروض الأزياء العصرية

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 07:06 2025 الجمعة ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

مرسيدس EQS موديل 2025 سيدان كهربائية فاخرة بتصميم أنيق

GMT 07:32 2024 الثلاثاء ,09 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح يتصدر التشكيل المثالي في الدوري الإنكليزي

GMT 20:14 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

أنغام تطرح أغنيتها الجديدة "ونفضل نرقص "
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt