توقيت القاهرة المحلي 10:32:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الإنسان الفرط ــ صوتي

  مصر اليوم -

الإنسان الفرط ــ صوتي

بقلم:مأمون فندي

الصاروخ الفرط - صوتي عرفناه في حرب إسرائيل وإيران، فيما عُرف بحرب الاثني عشر يوماً، بوصفه سلاحاً يتجاوز السرعة التقليدية ويضرب قبل أن يستوعب الخصم حقيقة ما جرى، لكن ماذا عن الإنسان الفرط - صوتي؟ هذا المفهوم الجديد الذي نحاول تقديمه هنا عن الإنسان الفرط - صوتي، والفرط - صورة الذي نراه اليوم يتحرك في الفضاء الرقمي ومنصاته المختلفة؟ وهل هو جديد فعلاً؟ نعم، هناك إنسان فرط - صورة، وفرط - صوتي، انتشاره يسبق الفهم وربما يستعصي عليه، وتأثيره يتقدم على المعنى، وصوته وصورته لا يقاسان بصدق أو عمق، بل بالقدرة على العبور السريع داخل دورة الخوارزميات؟

ما نعيشه اليوم ليس تطوراً تقنياً فقط، بل نحن أمام تحوّل عميق في معنى «الشخصية» ذاتها، تلك الشخصية التي كانت تُفهم بوصفها كياناً له عمق واستمرارية وحدود واضحة بين العام والخاص، أصبحت أداءً دائماً، وصورة قابلة للتداول، صوت وصورة خاضعان لمنطق الخوارزميات وسرعة الانتشار. لكنني في هذا المقال أريد أن أوصل فكرة مختلفة، وهي أن منطق الإنسان الفرط - صورة قديم جداً، ولا يجب أن ننبهر بما هو موجود، فالقصة لم تبلغ نهايتها بعد. هذا العالم الذي ينفرط أمامنا ليس جديداً في جوهره، بل هو امتداد مكثف لمسار نظري قديم رسم معالمه عدد من منظّري الاجتماع والسياسة منذ منتصف القرن العشرين من أمثال إرفنغ غوفمان وكتابه المنشور عام 1959 «عرض الذات في الحياة اليومية».

في هذا الكتاب نظر إرفنغ غوفمان إلى الحياة اليومية بوصفها مسرحاً، وهنا لم يكن الرجل يستخدم استعارة، بل يقدّم تشخيصاً بنيوياً: الإنسان ممثل، والسياق منصة، والهوية ليست جوهراً داخلياً بل أثراً درامياً ينشأ بين الفعل ونظرة الجمهور. ومع ذلك افترض غوفمان وجود توازن بين الواجهة والكواليس، أو بين ما هو معروض على خشبة المسرح وما خلفها، بين الظاهر والمخفي. هذا التوازن ليس ترفاً نفسياً، بل شرطاً اجتماعياً لاستمرار العرض. المنصات الرقمية اليوم كسرت هذا الشرط وأزاحت الستارة الفاصلة بين خشبة المسرح والكواليس التي خلفها. الواجهة أو خشبة العرض أصبحت حالة دائمة، والكواليس انهارت وأصبحت جزءاً من العرض في إطار تسريبات تدار بحرفية وإتقان.

فضيحة جيفري إبستين هي المثال الحي لانهيار الكواليس. في قصة إبستين، الصدمة اليوم ليست في الجريمة وحدها، بل في انكشاف شبكة الأداء الاجتماعي الراقي التي حمتها لسنوات. هذا الانكشاف أيضاً في عالم الإنسان الفرط - صوتي تحوّل إلى مادة للفرجة والتسلية الرخيصة: وثائق، وأسماء، وصور، وتسريبات هي المادة الخام لصناع المحتوى. في هذا السياق الجديد، تتراجع العدالة خطوة إلى الوراء لتفسح الطريق لمنطق المنصة، حيث يصبح سقوط الكواليس جزءاً من العرض.

النموذج الآخر لإنسان الفرط - صورة والفرط - صوتي هو نموذج لا ينتظر الفضيحة، بل يستبقها بالعرض الطوعي، كما في حالة عائلة كارداشيان وعالم البثّ الحي وتغذية اللحظة بما يليق بها من فضائح. الكواليس هنا ليست مساحة محجوبة، كما كان المسرح الاجتماعي في السابق، بل هي جوهر العرض برمته وأساس العلامة التجارية للشخصية.

السوشيال ميديا اليوم تكافئ الإنسان الفرط - صورة في صيغته المبتذلة، ولكن كي نفهم مغزى ذلك وتبعاته نحتاج إلى عدسة الفيلسوف الفرنسي الآخر بيير بورديو، الذي يرى أن الأداء في زمن المنصات ليس تعبيراً ذاتياً بريئاً، بل هو رأسمال رمزي قابل للتحويل إلى رأسمال فعلي. الصورة هي الأموال. المتابعة، والإعجاب، والمشاركة، كلها موارد لجلب الشهرة والمال. وهنا يظهر الفارق الحاسم: المنصات لا تكافئ العمق، بل تكافئ ما يشبه عرض المسوخ أو «الفريك شو»، عرض الأقزام أو ما يثير، ما يصدِم، ما يُختزل في صورة أو مقطع، هو الذي يحصد اللايكات والمتابعة. أما التحليل العميق، والتفكير البطيء، واللغة المركبة، فلا تناسب مع دورة الإنسان الفرط - صوتي، ولا تنسجم مع إيقاع الخوارزميات.

الإنسان الفرط - صورة والفرط - صوتي ليس إنساناً، بل فكرة تقول إن الشخصية بوصفها عمقاً مستقراً لا يمكن أن توجد خارج العرض. ما نراه اليوم هو بشر يتحركون بسرعة لا تسمح بالتأمل، ويُقاسون بقابلية أدائهم للانتشار، لا بقدرتهم على الفهم.

السياسة أصبحت منافسة على الانتباه، والاجتماع تحوّل إلى اقتصاد ظهور، والأخلاق مجرد تفاوض بين ما هو مقبول وما هو مربح. هذا العالم لم يولد مع المنصات الرقمية اليوم، بل كُتب نظرياً منذ زمن، كل ما تحتاجه هو أن تقرأ الكلاسيكيات فقط. الجديد اليوم هو أن المسرح صار كونياً، والجمهور دائماً، والخوارزميات لا تكافئ العمق، والإنسان، وربما للمرة الأولى صار فرط - صوتياً. حدود لم نبلغ مدى تفاهتها بعد... وللحديث بقية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإنسان الفرط ــ صوتي الإنسان الفرط ــ صوتي



GMT 07:36 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

رفاق كليلة

GMT 07:34 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

إيران بلا مرشد

GMT 07:33 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

الحرب وما بعدها

GMT 07:33 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات

GMT 07:30 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

ضحايا مذبحة «التترات»!

GMT 07:30 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

سر (الست موناليزا)

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt