توقيت القاهرة المحلي 01:45:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية

  مصر اليوم -

الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية

بقلم:مأمون فندي

سمع العرب بالمكارثية، ولم يسمعوا تقريباً بماكارثر. عرفوا المكارثية بوصفها زمن خوف ومحاكم تفتيش طالت الجامعات، وتخويناً واسعاً للمثقفين في ذروة الحرب الباردة. والمكارثية، كما هو معلوم، تُنسب إلى السيناتور جوزيف مكارثي الذي قاد تلك الحملة. في المقابل، لم تحظَ مؤسسة «ماكارثر» بالمعرفة نفسها في الوعي العربي، رغم أنها تقف على النقيض التام من منطق المكارثية، وتمنح ما يُعرف عالمياً بـ«منحة العبقرية» القائمة على الثقة، وحماية الإبداع، واحترام استقلال العقل.

الفارق بين الاسمين ليس لغوياً فحسب، بل حضاري ومعرفي. ولتوضيح هذا الفارق، أبدأ بحكاية شخصية أرويها بحذر، ووفق القواعد الأخلاقية للأمانة العلمية. في عام 2000، حين كنت أعمل أستاذاً في جامعة جورجتاون بواشنطن، وصلني خطاب مقتضب وغامض يُفيد بانضمامي إلى «شبكة الترشيحات» التابعة لمؤسسة «ماكارثر». هي شبكة سرّية لرصد المواهب الفكرية العابرة للتخصصات. لا يحق لعضو الشبكة ترشيح نفسه، ولا يعرف بقية الأعضاء، ولا من سيُرشَّح أو لماذا. كل ما طُلب مني هو كتابة تقييمات فكرية لمسارات بعض المبدعين، تُرسل مباشرة إلى مقر المؤسسة. حتى اليوم، وبعد نحو ربع قرن، لا أعرف لماذا اختير اسمي، ولا كيف تُدار المنحة في تفاصيلها الدقيقة. لكنني فهمت منذ اللحظة الأولى أنني أمام منطق مختلف في النظر إلى المعرفة ودورها في المجتمع.

تبلغ قيمة منحة ماكارثر نحو 800 ألف دولار أميركي، تُصرف على خمس سنوات، من دون شروط إنفاق، ومن دون تقارير مرحلية، ومن دون أهداف قابلة للقياس. الشرط الوحيد هو أن يواصل الحاصل على المنحة ما كان يفعله قبلها. لا مشروع جديداً مفروض، ولا خطابَ مُعدّلاً، ولا استجابة لإملاءات ممول. فقط استمر في مسارك. وهذه في حد ذاتها ثورة صامتة على ثقافة التمويل السائدة، التي تختزل المعرفة في مؤشرات أداء وعوائد سريعة.

«ماكارثر» منحة غير تقليدية بكل المقاييس: لا استمارات، لا مقابلات، لا ملفات إنجاز، ولا سباق سِيَر ذاتية. الباحث أو الفنان لا يتقدم إليها أصلاً، بل تُراقَب مسيرته لسنوات من دون علمه، ثم يُرشَّح إن رأتِ المؤسسة في مساره قيمة طويلة الأمد. هنا لا تُكافَأ النتيجة الجاهزة، بل طريقة التفكير، والقدرة على الربط بين الحقول المعرفية، والجرأة على العمل في المناطق الرمادية بين التخصصات، والاستقلال عن إملاءات السوق والسلطة معاً.

من هنا يبرز السؤال الطبيعي: لماذا لا نملك «ماكارثر» عربية؟

الإجابة لا تتعلق بندرة المال ولا بندرة العقول، بل بغياب البيئة المؤسسية. «ماكارثر» تفترض جامعة مستقلة، ومجالاً عاماً يحمي الاختلاف. في المقابل، تُختزل جامعاتنا غالباً في خطاب «سوق العمل»، وتُدان إن لم تُخرِّج «موظفين جاهزين»، مع أن هذه ليست وظيفة الجامعة الأولى، بل وظيفة المعاهد المهنية.

الجامعة البحثية لم تُنشأ لتكون مكتب توظيف، بل لإنتاج الأسئلة الجديدة. من يخلط بين الجامعات البحثية الكبرى وجامعات السوق والدراسات التطبيقية يتجاهل حقيقة أساسية: السوق تتغير أسرع من أي منهج، بينما يظل التفكير الخلّاق هو الاستثمار الوحيد طويل الأمد. «ماكارثر» تفهم ذلك، ولذلك تفصل بوضوح بين التفكير والتشغيل، بين العقل والآلة.

المفارقة أن كثيرين ممن يرفعون شعار «العقلانية» و«قيم السوق» يتبنّون عملياً منطقاً مكارثياً صريحاً: تخوين المثقف، شيطنة النقد، وتحميل الأفكار مسؤولية فشل السياسات. هكذا تُبرَّأ الإدارة من سوء الإدارة، وتُعفى السوق من اختلالات التوزيع، ويُلقى العبء كله على المثقف.

تاريخ العلوم يخبرنا عن المجتمعات التي قدمت فسحة من النقد لجامعاتها، بل تركتها تطرح الأسئلة غير المريحة، ولم تطلب من الباحث أن يُثبت جدواه فوراً في سوق العمل، بل صدق تفكيره على المدى الطويل. في هذا المعنى، ليست «ماكارثر» جائزة أميركية، بل درس عالمي في إدارة المعرفة.

وأخيراً، لا بد من التمييز: مؤسسة «ماكارثر» ليست ضد السوق، لكنها ترفض أن تكون السوق الحاكم الوحيد. كما ترفض مصادرة المعرفة. هناك فرق جوهري بين المكارثية التي تطارد الأفكار، و«ماكارثر» التي تحميها. في عالمنا العربي، اخترنا الأولى، وربما آن الأوان لإعادة النظر، لا لأن النموذج أميركي، بل لأن أي مجتمع يريد مستقبلاً واعداً يحتاج، قبل كل شيء، إلى عقول حرة تعمل في جامعات مستقلة، وتنظر إلى تراكم المعرفة بوصفه أساس النهضة، لا إلى آليات السوق وحدها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt