توقيت القاهرة المحلي 01:45:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفاشر وتغيّر قلوب الرجال

  مصر اليوم -

الفاشر وتغيّر قلوب الرجال

بقلم:مأمون فندي

قبل أكثر من قرن، وتحديداً بين 1898 و1916، كان قلب السلطان علي دينار، سلطان دارفور حيث الفاشر عاصمة السلطنة، يخفق بإيقاع مختلف؛ إيقاع قلب يتوجه، كما في الصلاة، صوب مكة. جاء علي دينار بعد هزيمة المهدية وانهيار السلطنة، فنهض بدارفور من ركام التاريخ، وبنى مجداً جديداً بلغ ذروته الروحية قبل السياسية. رمزية علي دينار تمثلت في إنشاء ورشة صغيرة لنسج كسوة الكعبة المشرفة؛ لم تكن مصنعاً بالمعنى الصناعي، بل خلوة للنور، يطرّز فيها رجال دارفور ونساؤها القماش الأسود كأنهم يطوون قلوبهم في ثناياه، وترتد خيوط النسيج من دارفور إلى مكة، حيث مهوى الأفئدة.

كان علي دينار يرى الطريق من الفاشر إلى مكة جزءاً من رسالته. يرسل القوافل عبر السودان والحجاز، ويشدّ الرحال مع رجاله إلى بيت الله، لا أميراً يستعرض سلطته، بل عبداً يتقرب بقلبه. وحين حفر الآبار حول المواقيت ليشرب منها الحاجّ القادم من أقصى الأرض، كان يترك بصمة روحه في الماء، كأنه يسكب في كل قطرة دعاءً بأن تبقى دارفور مكاناً طيباً، مستقراً، طاهراً.

اليوم، حين نتأمل خراب الفاشر، تصدمنا قسوة الصور: المدينة التي كانت تطوي كسوة الكعبة، بالتناوب مع بلدان أخرى، أصبحت مقبرة لأطفال ونساء، وفراراً جماعياً من دمار لا يرحم. لم يعد صدى خطى السلطان يملأ الأزقة، بل هدير الرصاص. ولم تعد رحلة النور إلى مكة، بل نزوح داخلي تائه بلا وجهة. مدينة صمدت لقرون، فإذا بها فجأة على حافة الفناء، كأن التاريخ نفسه يقف حائراً أمام ما يراه، يصعب عليه تسجيله أو وصفه.

منذ بدء هجمة «قوات الدعم السريع» على قلب الفاشر، وهتك أهلها، وإذلال عزّتها، لم يبقَ الكثير من قلب المدينة ولا من نور قلب علي دينار.

المدينة التي كانت تصنع كسوة الكعبة أصبحت مفرمة للبشر، ومصنع إبادة وحريق يشوي الأجساد بلا أفران، في مشاهد تقشعر لها الأبدان. البيوت تحترق، الطرقات تُقصف، والمستشفيات تنهار أمام جرحى لا يجدون حتى الماء الذي تركه السلطان قبل أكثر من قرن للحجيج. كأن الفاشر فقدت قلبها دفعة واحدة، واستسلمت لنبض بارد لا يشبه أهلها. اكتست المدينة بقسوة منتهكيها، ببدائيتهم التي لا ترتوي إلا بمشاهد القتل الجماعي.

وفي مواجهة هذا المشهد السوداني المأزوم، يبرز رجل آخر بقلب مختلف، يحاول أن يعيد شيئاً من نور الفاشر إلى مكانه. إنه الأمير محمد بن سلمان الذي فتح في واشنطن لأهل السودان باباً آخر للتاريخ. أحس بفطرته السليمة، وبما تعلمه من توجيهات الملك سلمان، أن لا بد من مخرج لهذا الانهيار الإنساني الذي يبتلع دارفور وجموع أرض السودان. قلبٌ مختلف أدرك أن دوره الأخلاقي يحتم أن تُمد يد للسودان قبل أن ينهار ما تبقى من الجدار.

من موقعه ودوره الإقليمي، اقترب الأمير من الجرح السوداني بحسابات سياسية بلا شك، لكن أيضاً -وأقولها بصدق الرائي لا المادح - بنَفَس يشبه ما يفعله داخل السعودية نفسها: إعادة بناء الإنسان قبل الحجر، وتنظيم الفوضى لتصبح حياة لها معنى. فالسياستان: الخارجية والداخلية، تلتقيان عند نقطة واحدة؛ قلبٌ يريد أن يصلح لا أن يهدم.

محاولات المملكة لوقف النزيف في السودان ليست وصفة سحرية، ولا يُحمَّل عليها ما لا تحتمل، لكنها تطرح سؤال: أين القلب الذي ضاع؟ وكيف نسترده؟

وحين ننظر إلى الفاشر بهذا المنظار، نرى أن القضية ليست مجرد حرب أو تنازع على سلطة؛ إنها قصة تغيّر قلوب الرجال: قلب علي دينار الذي حمل الكسوة إلى مكة، وقلوب معتدين حملت الدمار إلى الفاشر، وقلب محمد بن سلمان الذي يحاول أن يجمع الشمل قبل أن تتحول دارفور إلى حكاية ضائعة في كتاب قديم.

تاريخ الفاشر لا يبدأ بالحرب، ولا ينبغي أن ينتهي بها. هذه مدينة كتب فيها علي دينار صفحة مضيئة تُذكر إلى اليوم، لكن الزمن كتب عليها صفحات أخرى أقل رحمة. ليست المأساة في تبدّل الأحداث، بل في تبدّل القلوب التي تدير الأحداث. فأرضٌ كانت تصنع كسوة الكعبة لا يجوز أن تُختتم قصتها بخرابٍ وبشاعة نراها تتساقط أمامنا على الشاشات.

هناك شيء في روح المكان يرفض الانطفاء: دعاء الحجاج الذين شربوا من آبار السلطان، ضوء الكسوة التي خرجت منها، ما يجعل الفاشر - رغم كل شيء - قابلة للعودة. ولعل عصراً جديداً، بقيادة من يريدون الإصلاح لا الهدم، قادر على إعادة توجيه البوصلة، لا إلى الماضي، بل إلى ما يشبه قيمه: الإيمان بالخدمة، واحترام الإنسان، وبناء المدن التي تستحق الحياة من جديد.

الفاشر اليوم ليست ما كانت عليه بين 1898 و1916. ولكن ربما، إذا صدقت النيات وتغيّرت قلوب الرجال، يمكن أن تعود مدينةً يتجه نورها إلى مكة، لا إلى المجهول.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفاشر وتغيّر قلوب الرجال الفاشر وتغيّر قلوب الرجال



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt