لفهم هذه الحرب، والحروب التي خاضتها إسرائيل خلال الأعوام الثلاثة الماضية بقيادة بنيامين نتنياهو، لا بد من العودة إلى كتاب كينيث والتز الشهير «الإنسان والدولة والحرب» (Man, the State, and War). في تقديري، يُعد هذا الكتاب من أهم ما كُتب في حقل السياسة الدولية خلال القرن العشرين. حاول والتز فيه الإجابة عن سؤال يبدو بسيطاً: لماذا تقع الحروب؟
يقدّم والتز 3 مستويات مترابطة لفهم الحروب: الإنسان (أو القائد)، والدولة، وبنية النظام الدولي. وهذه المستويات الثلاثة تُشكّل إطاراً تحليلياً يساعد على فهم الصراعات الكبرى، ليس في الشرق الأوسط فقط، بل في العالم كله، من أوكرانيا إلى إيران.
المستوى الأول هو مستوى الإنسان، أي دور القادة في اتخاذ قرار الحرب. فقرارات الحرب لا تُتخذ في الفراغ؛ بل يصنعها أفراد لهم شخصياتهم وتصوراتهم وضغوطهم السياسية والنفسية. ومن هذا المنظور يمكن قراءة قرارات بنيامين نتنياهو خلال السنوات الأخيرة. فقد واجه رئيس الوزراء الإسرائيلي أزمات سياسية داخلية حادة، من الانقسام حول إصلاحات القضاء إلى التحديات المرتبطة بشرعية الائتلاف الحاكم.
في مثل هذه الظروف قد تتحول السياسة الأمنية إلى وسيلة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، أو لاستعادة صورة القيادة الحازمة في مواجهة التهديدات. ولم يخلُ تاريخ نتنياهو السياسي من أزمات أعقبتها مواجهات عسكرية أو عمليات واسعة، من غزة إلى المواجهة مع إيران. ومع ذلك يُحذّر والتز من الإفراط في تفسير الحروب عبر شخصية القائد وحدها؛ فالقادة، مهما امتلكوا من كاريزما أو صلاحيات، يعملون داخل قيود أكبر منهم. لذلك فإن دراسة شخصية نتنياهو وحدها لا تكفي لتفسير انخراط إسرائيل في حروب متكررة.
وهنا يقودنا والتز إلى المستوى الثاني: الدولة. فطبيعة النظام السياسي ومؤسسات الدولة وبيئتها الداخلية تُمثل عوامل أساسية في تفسير سلوكها الخارجي. وإذا طبقنا هذا التحليل على إسرائيل فسوف نجد أنها عاشت خلال السنوات الأخيرة حالة استقطاب سياسي حاد، مع صعود تيارات قومية ودينية أكثر تشدداً في الحياة السياسية.
هذه البيئة الداخلية عززت الميل إلى تبني سياسات أمنية أكثر صلابة، خصوصاً بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي هزّ صورة الردع الإسرائيلي. ومن هنا يمكن فهم العمليات العسكرية المتكررة باعتبارها محاولة لإعادة ترسيخ مفهوم الردع، الذي يعد أحد أعمدة العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ قيام الدولة.
لكن هناك بُعداً آخر في الثقافة السياسية الإسرائيلية يرتبط بتجربة تاريخية عميقة هي تروما الهولوكوست. فقد عززت هذه التجربة شعوراً دائماً بالتهديد، حتى في ظل امتلاك إسرائيل تفوقاً عسكرياً واضحاً في المنطقة. وهكذا يعيش المجتمع الإسرائيلي مفارقة دائمة: دولة قوية عسكرياً لكنها تعاني إحساساً دائماً بانعدام الأمن.
ومع ذلك، يؤكد والتز أن فهم شخصية القائد أو طبيعة الدولة لا يكفي وحده لتفسير الحروب. فالتفسير الأعمق يوجد في المستوى الثالث: بنية النظام الدولي. العالم، حسب والتز، نظام فوضوي؛ أي أنه يفتقر إلى سلطة عليا قادرة على فرض القواعد بين الدول. وفي مثل هذا النظام تصبح كل دولة مسؤولة عن أمنها بنفسها.
هذه الفوضى الدولية تدفع الدول إلى البحث المستمر عن القوة وتعزيز قدراتها العسكرية. وإذا طبقنا هذا التحليل على الشرق الأوسط فسوف نجد أن الصراع بين إسرائيل وإيران يُمثل مثالاً واضحاً على منطق النظام الفوضوي. فكل طرف يرى في تعزيز قدراته العسكرية خطوة دفاعية، في حين يراها الطرف الآخر تهديداً وجودياً.
وهنا تظهر معضلة الأمن، وهي إحدى المفارقات الأساسية في السياسة الدولية: فالإجراءات التي تتخذها دولة لتعزيز أمنها قد تجعل الآخرين يشعرون بتهديد أكبر، فيردّون بإجراءات مماثلة، ما يؤدي إلى سباق تسلح وتصاعد دائم للتوتر.
في الشرق الأوسط تبدو هذه الدينامية واضحة، فكل ضربة إسرائيلية تهدف إلى تقليص قدرات خصومها قد تدفع هؤلاء إلى تطوير وسائل ردع جديدة، سواء عبر الصواريخ أو الشبكات المسلحة الإقليمية. ومع تطور التكنولوجيا أصبحت أدوات الحرب أكثر انتشاراً، حتى باتت مجموعات صغيرة قادرة على امتلاك طائرات مسيّرة أو صواريخ دقيقة.
المفارقة الثانية تتعلق بالعلاقة بين القوة والخوف. فالدول التي تشعر بتهديد وجودي قد تكون أكثر ميلاً إلى المخاطرة بالحرب من الدول الراضية عن الوضع القائم. والسبب أن الدولة التي تعتقد أن ميزان القوى يتحرك ضدها قد تفضل المواجهة الآن بدلاً من انتظار مستقبل أسوأ. وقد ظل هذا الهاجس حاضراً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي منذ تأسيس الدولة.
أما المفارقة الثالثة فتتعلق بالسلاح النووي. فقد كتب والتز في مقال شهير في مجلة «فورين أفيرز» عام 2012 أن انتشار السلاح النووي قد يؤدي في بعض الحالات إلى قدر أكبر من الاستقرار. واستند في ذلك إلى تجربة الردع النووي خلال الحرب الباردة، حين تجنّبت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي الحرب المباشرة رغم التنافس الحاد بينهما.
ما يقدمه كتاب والتز، الصادر عام 1959، والمبني على أطروحته للدكتوراه في جامعة كولومبيا، ليس تفسيراً واحداً للحروب بل إطار تحليلي لفهمها. فحروب إسرائيل لا يمكن تفسيرها فقط عبر شخصية نتنياهو، ولا فقط عبر السياسة الداخلية الإسرائيلية، ولا فقط عبر بنية النظام الإقليمي؛ إنها نتاج تفاعل هذه المستويات الثلاثة معاً: القائد، والدولة، والنظام الدولي، داخل عالم يتسم بالفوضى.