توقيت القاهرة المحلي 12:17:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفساد وسحر التواطؤ

  مصر اليوم -

الفساد وسحر التواطؤ

بقلم - داليا شمس

"لا تصدق كل ما يأتي على ألسنة المسؤولين في الصحف، فهذا كلام جرائد"، ظللت أردد العبارة نفسها على مسامع والدي، خلال الستة أشهر الأخيرة، في كل مرة يطلعني فيها على تصريحات المحافظين ورؤساء الأحياء ومسؤولي الإدارة المحلية حول التصدي للفساد. هو كالغريق يتعلق بقشة ويحاول إقناع نفسه بأن هناك من سينفذ يوما القانون بفاعلية ويقوم بمعاقبة المخالف أو جارنا صاحب العقار السابق، الذي يرغب في استثمار الجراج دون ترخيص، بما قد ينعكس سلبا على حياة السكان. وأنا أرى بوضوح كيف يجاهر بعض المخالفين بأن لهم علاقات داخل الحي وأن هناك من يبلغهم مقدما بكل ما يحدث وما يجب اتخاذه من إجراءات لتنويم الموضوع والتحايل. كان أبي يستغرب من ردة فعلي أنا التي تعمل بالصحافة منذ أكثر من عشرين عاما، أما أنا فقد كنت استغرب من سحر التواطؤ الذي يجمع الفاسدين، هذا كان أكثر ما استوقفني في هذه التجربة برمتها، كيف كان ينبري كل من نلجأ إليه ومن المفترض أن يساهم في حل المشكلة دفاعا عن المخالف، قائلا ما معناه "إنكم تريدون خراب بيته"، بدلا من التصدي لشخص لا يبالي بأرواح الناس.

***

وجدتني أضحك من كلمات وعبارات الصحف الرنانة: سيف القانون الباتر، الخطر الداهم، التصدي لفساد الأحياء صار مطلبا شعبيا ملحا، استبعاد أي موظف تحوم حوله الشبهات، التلوث البصري، تشوه المدينة، إعداد الكوادر، اللامركزية، الحوكمة،... جميعها تتصدع وتفقد معناها أمام الموظفين عتاة البيروقراطية، ففي مثل هذه المواقف تتعامل فجأة مع أساطير يومية متحركة: المهندسة س. والموظفة ص. ورئيسهما الذي يلتقي بالمواطنين كل ثلاثاء، ثم تأخذك دوامة الخطابات التي لا تصل أبدا أو التي تصاغ بشكل خاطئ فترجع لصحابها كالشتيمة، ويتجلى سحر التواطؤ وينقلب الوضع إلى كوميديا سوداء، خاصة عندما أكتشف أن الحي الذي ولدت فيه والذي صار في أقذر حالاته تم تقييمه في نهاية نوفمبر الماضي كأفضل حي بالمنطقة الشرقية من قبل محافظ القاهرة. وقتها ينطلق صوت داخلي ليأمرني بأن أحمد الله، لأن هناك ما هو أسوأ بكثير، على الأقل لم يشهد حينا بعد برجا مائلا كعمارة الأزاريطة الشهيرة بالإسكندرية التي تصدرت صورها الجرائد المحلية والعالمية كأحد عجائب الدنيا السبع، في شهر يونيو الماضي. والمفارقة أن هذا العقار المخالف، الذي لم يكن مصرحا له سوى بإنشاء طابق أرضي ودورين علويين وصدر له قرار إزالة وإخلاء منذ عام 2004، كان يقع على بعد 120 مترا فقط من مقر حي وسط الإسكندرية، لكن كل ما ركز عليه الخبراء حينها كان ضرورة الانتهاء من قانون البناء الموحد والتبشير بمشروع قانون المحليات الجديد الذي تم تقديمه إلى مجلس الشعب والذي سيقضي على فساد المنظومة بشكل نهائي، لأن القانون القديم به عوار وينتمي للقرن الفائت.

***

نبسط المسائل ونقلل من شأن سحر التواطؤ الذي يجمع من يشبهون بعضهم البعض، في مجتمع صار الفساد جزءا من ثقافته، فأفضل قوانين العالم إذا ما قام على تنفيذها ذات الأشخاص بعلاقاتهم المتشابكة والمعقدة سنظل ندور في دائرة الفساد والبيروقراطية المفرغة، والنتيجة مزيد من المخالفات والكوارث ومزيد من أصحاب المشكلات الذين يحاربون طواحين الهواء إلى أن يموت أحدهم أو يشرد وتكتب عنه الصحف. دون دراسة جادة لهذه العلاقات الاجتماعية المعقدة، جنبا إلى جنب مع وضع القوانين، ستظل تنطبق علينا مقولة الكاتب جورج أورويل الذي يصف الكثير من أمور حياتنا كأنه تخيلها اليوم وليس قبل سنوات عديدة: " شعب يختار الفاسدين والمحتالين والكذابين والسارقين والخائنين ليس بضحية، بل هو متواطئ مع كل هؤلاء"، فسحر التواطؤ يوحي بنية الإصرار.

نقلا عن الشروق القاهريه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفساد وسحر التواطؤ الفساد وسحر التواطؤ



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - مصر اليوم

GMT 07:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

دعاء الجمعة الأخيرة من العام الهجري

GMT 10:44 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 10:53 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 14:58 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

مكونات طبيعية من مطبخك فعالة في تنظيف وتعقيم المنزل

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:41 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

تتعامل بإيجابية وتكسب الإعجاب

GMT 23:20 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

الأردني محمد الدميري يتفوق على السوري عمر السومة

GMT 06:50 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 12:12 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

مصر تدين التفجير الإرهابي في العاصمة الأفغانية كابول

GMT 12:02 2018 الثلاثاء ,25 أيلول / سبتمبر

صامويل إيتو يؤكد أن ليونيل ميسي الأفضل في العالم

GMT 21:27 2019 الإثنين ,28 كانون الثاني / يناير

رواية "الجنية" لمازن فاروق بدر في طبعتها الثانية قريبًا

GMT 15:19 2024 الثلاثاء ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

بايرن ميونيخ يقرر تمديد عقد مدافعه أوباميكانو
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt