توقيت القاهرة المحلي 11:21:33 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حكايات القط الأسود

  مصر اليوم -

حكايات القط الأسود

بقلم : داليا شمس

يقفز بخفة رافعا ذيله، خفة الكائن التى لا تحتمل، وكأنه يتبع نغمات مقطوعة موسيقية لأنور أبراهم بعنوان «خطوات القط الأسود»، يعرف أنها كُتبت خصيصا قبل سنوات لرصد حركاته وكيف يثب كقط وينظر نحونا بعينيه الخضراوين، فى انتظار أن نحاول أن نعرف ما يلفت انتباهه. مر بعرض المحل وتوقف عند أفيش قديم معروف، كذلك الذى يباع منذ نهاية القرن التاسع عشر وصار رمزا لباريس السياحية، وكان بالأساس ملصقا دعائيا لكباريه «القط الأسود» الشهير حينها، مركز تجمع المثقفين؛ حيث يحتسون «الأفسنتين» شراب فيكتور هوجو المفضل، وهو كحول بنكهة الينسون مصنوع من زهور وأعشاب طبيعية.
وقف مشدوها كمن يحاول أن يتابع قصة هذا القط الموجود فى الصورة أعلى الحائط والذى يشبهه كثيرا. قط أسود مسكين وجده عام 1881 رودولف ساليس عند زيارته للموقع الذى سيؤسس فيه الكباريه الشهير بحى مونمارتر، فقرر أن يكون عنوانا واسما لمحله، مستبشرا بموائه. وقد كان بالفعل فاتحة خير بالنسبة له، إذ صار الكباريه من معالم العاصمة الفرنسية فى فترة وجيزة، يأتيه الكتاب والفنانون والملوك أحيانا من كل حدب وصوب، يشربون ويتناقشون ويستمتعون بالبيانو لأول مرة فى مثل هذه الحانات، وبعدها بقليل أنشأ رودولف ساليس مجلة أدبية بالاسم نفسه تصدر أسبوعيا كل سبت لتعبر عن روح نهاية القرن.
***
قضى ساليس على الصورة المريعة التى ارتبطت بالقط الأسود من خلال قصة إدجار آلان بو الغرائبية حول رجل يفرط فى الشراب ويؤذى قطه الأسود المحبوب لدى الجميع، ويرجع له هذا الأخير فى صورة مختلفة كل مرة، وفى النهاية يقتله ويقتل زوجته ويدفنهما معا خلف جدار بالبيت. قضى أيضا على الكثير من الخزعبلات التى التصقت بالقطط السوداء منذ القرون الوسطى، إذ اعتبرت طويلا نذير شؤم وارتبطت فى المخيلة الشعبية بالسحر والحظ السيئ والشياطين، فى أوروبا كما فى حضارات أخرى كثيرة. ولاتزال هذه الصورة تطارد القط الأسود الذى يمشى بخفة ودلع فى شوارع القاهرة حتى الآن، إذ يباغته من حين إلى حين صوت أحدهم وهو يردد فى وجهه ثلاث مرات: «أعوذ بالله منك إن كنت جانا»، وهو لا يستوعب كيف سيكون هذا حاله وهو من أصحاب الجان والصولجان! مجرد متسكع فى شوارع القاهرة وحواريها ينهى خناقة ليدخل فى صراع على قطعة لحم من شواء الحاتي؟
يقول لسان القط: «لله فى خلقه شئون».. وكأنه يعرف تاريخ أبناء جنسه أكثر من أى أحد آخر، وكأن حكاية القطط يجب أن ترويها هى، فتحدثنا عن كيف وصلت إلى حد القداسة أيام الفراعنة وصار لها معبد خاص فى تل بسطه بمحافظة الشرقية (أو «باستيت» وفق اسم معبودة على هيئة قطة بالمصرية القديمة). فَهم الفراعنة مبكرا أهمية القط ودوره فى حماية صوامع الحبوب والغلال من القوارض، شعب من المزارعين أراد أن يحافظ على مصدر رزقه وطعامه فكان احترامه الشديد للقطط التى تساعده فى ذلك، بل وتكفيه شر الأمراض والأوبئة مثل الطاعون. صار لكل معبد قططه الخاصة وصار هناك حراس للقطط، وعوقب بشدة كل من قتل قطا أو تعرض له بسوء، بل وصل الأمر فى عهد بطليموس الثانى عشر (حوالى عام 80 ق.م) أن دهست مركبة حربية رومانية قطا فما كان من العسكرى المصرى الذى شهد الحادث إلا أن أردى قائد المركبة قتيلا، مخالفا أوامر الفرعون بعدم التعرض له. ويذكر هيرودوت كذلك أنه عند موت قط فى أحد منازل مصر القديمة كان أفراد العائلة يحلقون حواجبهم حزنا على الفقيد حتى يتم تحنيط جثته خلال سبعين يوما، وقد عُثر بالفعل على آلاف المومياوات الخاصة بالقطط بالقرب من تل بسطه وغيرها من المواقع الأثرية.
***
يقول «باستيت» الحديث فى شوارع القاهرة متبخترا: حذارِ أن يغضب القط الوديع ويتحول إلى الإلهة سخمت أو اللبؤة المفترسة التى تجيد الانتقام من الأعداء، يبخ فى وجه قط آخر استفزه، ينظر إليه فى حسم فلا يسمح له بالاقتراب، نظراته وحركة أذنيه وذيله تشى بغضب ساطع، للقط سبعة أرواح وعمر الشقى بقى، لكن لماذا سبعة؟ ألا تقول أسطورة القرون الوسطى أن الساحرات قد يتنكرن فى هيئة قط لتسع مرات؟ ألم يكن هذا ما أثار حفيظة بعض رجال الدين عليهم وجعل الناس يحرقونهم أحياءً مع الساحرات؟ ألم يجعل منهم الفرو الأسود الفاحم تجسيدا للشيطان حتى أعيد لهم الاعتبار فى نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر حين اعترف الناس بحاجتهم إليهم من أجل القضاء على الفئران والطاعون؟
يمشى القط الأسود القاهرى بخفة، تاركا وراءه حكايات وروايات، يعلق الطبق الذى وُضع أمامه فيتركه نظيفا تماما بفضل لسانه المُدرب، يعقد صداقات «شوارعية» لمنافع مشتركة، وهو يعرف فى قرارة نفسه أنه ينتمى لسلالة أعلى من هذا القط الأبيض ذى العين الزرقاء فهو يسمع أحسن منه بكثير، لم يشفع له جمال الفرو الأبيض فى مسألة الصمم الوراثى التى يعانى منها أشباهه، أما هو فيلتقط أى صوت بمنتهى الدقة ما يجعله صيادا ماهرا. يحترس من الغدر ولا يعطى الأمان بسهولة. يطأطئ رأسه حين تمتد يد لتداعبه مستغلا كل فرصة للعب، هو أيضا يحتاج إلى من يربت على كتفه ويسمح له بقليل من الدلال. قد يعطف عليه أحدهم فيأخذه معه فى صندوق صغير على متن طائرة ويرحل به بعيدا عن هذه البلاد، حلم الهجرة يطارده هو الآخر وليس فقط معشر البنى آدمين. صار يصعب عليه عبور بعض الشوارع التى اتسعت دون داعٍ، لم يعد العيش هنا هين رغم حرية التسكع حتى الآن.
يحلم بمصير أحد أجداده القدامى الذى حملته أميرة روسية من مصر إلى إيطاليا حيث تم نفيها بالسفارة المصرية بروما إبان الحرب العالمية الثانية، لسبب لم تحدده الحكاية بالضبط. كان من النوع المشبح فروه بالأسود، له أناقة ورشاقة القط المصرى، لذا حرصت الأميرة أن تزوجه بمن يليق بقط فرعونى، لنشر سلالته فى أوروبا ومن بعدها فى الولايات المتحدة الأمريكية خلال الخمسينيات. يغمض القط القاهرى الأسود عينيه الخضراوين ويستغرق فى الحلم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حكايات القط الأسود حكايات القط الأسود



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt