توقيت القاهرة المحلي 17:58:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفقراء والقطط السمان

  مصر اليوم -

الفقراء والقطط السمان

بقلم - أحمد جلال

فى أول زيارة لى لمدينة «ريو دى جانيرو» البرازيلية، منذ أكثر من ربع قرن، كنت شديد الانبهار بحيوية هذه المدينة، ومبانيها الشاهقة، وكورنيش «كوبا كابانا»، وتمثال المسيح المطل على الساحل من قمة جبل عالية فى البحر. فى نهاية اليوم الأول للزيارة قررت، مع صديقين آخرين، التريض على الشاطئ. وما إن عرف «كونسيرج» الفندق خطتنا حتى تطوع بنصيحة صادمة، فحواها أنه من الأفضل أن نترك محافظنا فى الفندق، وأن نحمل معنا 20 دولارا، لأنه من الوارد أن نتعرض لمحاولة سرقة بالإكراه. خياراتنا إذا ما حدث ذلك كانت إما إعطاء ما لدينا لنمر بسلام، أو الرفض وتحمّل ما يمكن أن يصيبنا من أذى على يد أحد ممن يعيشون على أطراف المدينة. علمت بعد ذلك أن المدينة محاطة بما يسمى «الفافيلاز» أو العشوائيات، وأن «ريو» المبهرة كان لها وجه آخر.

هذه القصة ليست حكراً على «ريو»، ولكنها سمة مشتركة لكثير من المدن الكبرى فى العالم، من القاهرة إلى نيويورك. إذا أرجأنا مناقشة قضية العدالة الاجتماعية، لا شك أن ظاهرة الفقر فى حد ذاتها تثير العديد من الأسئلة، منها: هل هذه الظاهرة حتمية؟ وهل يمكن التعايش معها مؤقتاً حتى يأتى الفرج؟ وما هى مسؤولية الدولة فى الحد منها؟

بداية، تؤكد البيانات أن ظاهرة الفقر ليست حتمية. الدول الإسكندنافية ليس بها فقراء، ولا يرجع ذلك فقط لثرائها، وإنما لأنها قررت أن توفر شبكة حماية شاملة ضد مخاطر فقر الدخل، والبطالة، وكبر السن، والمرض، والإعاقة. فى المقابل، يظهر الفقر بوجهه القبيح فى دول بثراء أمريكا، ربما لقناعة بما قاله «رونالد ريجان» فى ثمانينيات القرن الماضى من أن الفقراء هم أنفسهم من اختاروا ذلك.

مقولة عدم حتمية الفقر تنطبق أيضا على الدول ذات الدخول المتوسطة، وهى المجموعة التى تنتمى إليها مصر، حيث تشير بيانات البنك الدولى إلى تواضع نسبة من يعيشون على أقل من 1.9 دولار فى اليوم (مقاساً بالقوة الشرائية للأسعار فى 2011) فى الأردن (0.1%) وماليزيا (0.3%) والأرجنتين (1.7%)، مقارنة بالبرازيل (4.3%) وإندونيسيا (6.8%) والفلبين (8.3%).

إذا كانت ظاهرة الفقر ليست حتمية، هل يمكن القبول بها مؤقتاً حتى تتحسن الأمور؟ لا أظن ذلك لأسباب عديدة، منها ما هو أخلاقى، ومنها ما هو اجتماعى، ومنها ما هو فردى. من الناحية الأخلاقية، لن أخوض فيما قاله الفلاسفة، ويكفى الإشارة هنا إلى أن جميع الأديان تحض على التكافل الاجتماعى، وقد وصل الحد بعلى بن أبى طالب أن قال: لو كان الفقر رجلاً لقتلته. من ناحية السلام الاجتماعى، من المعروف أن المجتمعات التى يستشرى فيها الفقر تتزايد فيها معدلات الجريمة وعدم الاستقرار، وما علينا هنا إلا أن نتذكر مقولة أبى ذر الغفارى: عجبت لرجل بات جائعاً ولم يخرج على الناس شاهراً سيفه. من الناحية الأنانية البحتة، من الصعب على الأغنياء أن ينعموا بثرواتهم فى مجتمع من الحاقدين، وخير مثال على ذلك ما ذكرته عن مدينة «ريو».

إذا كانت هذه الحجج فى محلها، ظنى أن مواجهة الفقر يجب أن تحتل مرتبة عالية فى سلم أولويات أى حكومة، بحكم أنها تحتكر استخدام القوة، وسن القوانين، وصنع السياسات، وتخصيص الموارد. وإذا كان ذلك كذلك، فلدى حكومتنا من تجارب الدول الأخرى ما يمكنها الاستعانة به. أولاً، يمكنها تبنى سياسات تدفع بالنمو الاحتوائى إلى آفاق عالية، كما فعلت الصين. كما أنها تستطيع إعادة النظر فى منظومة المعاشات، والتأمين الصحى، والتأمين ضد البطالة، وتحفيز القطاع غير الرسمى على الاندماج فى الاقتصاد. وتستطيع أن تتبنى من الحوافز ما يشجع الأغنياء على العمل الخيرى، والتأكد من أنهم يدفعون نصيبهم العادل من الضرائب. لدينا بعض المحاولات الجادة على هذه المحاور، لكنها لا ترقى لطموحات الفقراء، وقد وصل عددهم لما يقرب من ثلث السكان طبقاً لآخر إحصاء للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.

خلاصة القول: الفقر ليس قدراً لا مفر منه، وليس هناك ما يبرر قبوله على المستوى الأخلاقى، أو الاجتماعى، أو الفردى. صحيح أن القضاء عليه ليس ممكناً بين يوم وليلة، لكن إرادة التغيير والعمل الدؤوب لا يجب أن يغيبا عن الأفق.

نقلا عن المصري اليوم

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفقراء والقطط السمان الفقراء والقطط السمان



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 04:47 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

أماكن سياحية جاذبة للعائلات خلال عيد الفطر 2026
  مصر اليوم - أماكن سياحية جاذبة للعائلات خلال عيد الفطر 2026
  مصر اليوم - طرق سريعة وآمنة لإنقاص الوزن حسب خبراء التغذية

GMT 18:23 2022 الثلاثاء ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

ممارسة الرياضة صباحًا هي الأفضل لصحة القلب والأوعية الدموية

GMT 02:52 2018 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

الذهب يُسجل ارتفاعًا ملحوظًا قرب أعلى مستوى في 4 أشهر

GMT 07:55 2025 الأحد ,05 تشرين الأول / أكتوبر

10 وجهات سياحية أوروبية ساحرة لاكتشافها في فصل الخريف 2025

GMT 05:42 2020 الثلاثاء ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

إصابة نبيل دونجا لاعب فريق بيراميدز المصري بوباء "كورونا"

GMT 13:33 2020 الإثنين ,07 أيلول / سبتمبر

سيدة المحكمة المصرية في قفص الاتهام خلال أيام

GMT 13:27 2020 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

تعرَّف على 10 حقائق مثيرة للاهتمام عن جزر المالديف

GMT 01:49 2020 الجمعة ,03 كانون الثاني / يناير

انطلاق أولى حلقات برنامج «من مصر» على «CBC»

GMT 17:30 2019 الخميس ,26 كانون الأول / ديسمبر

هيثم محمد وزوجته الفنانة وفاء قمر يتعرضان لحادث سير

GMT 03:15 2019 الإثنين ,04 آذار/ مارس

النمو الاقتصادى بين التبعية والاستقلال

GMT 01:14 2019 الإثنين ,04 شباط / فبراير

وزارة التموين ومسؤولياتها عن ضبط الأسعار
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt