توقيت القاهرة المحلي 15:32:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صفقة نادرة

  مصر اليوم -

صفقة نادرة

بقلم - أحمد جلال

المعروف أن أى إصلاح اقتصادى يصب فى مصلحة بعض المواطنين على حساب البعض الآخر. تخفيض التعريفة الجمركية على الواردات يقلل من ربحية المنتج المحلى، لكنه يوفر السلعة للمستهلك بسعر أقل. زيادة أسعار الكهرباء ترفع ربحية هيئة الكهرباء، لكن على حساب المستهلك. فرض ضرائب جديدة يقلل من دخول دافعيها، لكنه يعطى فرصة لزيادة الإنفاق العام على خدمات من الممكن أن يستفيد منها مواطنون آخرون. استثناء لهذه القاعدة، تبدو قضية اندماج القطاع غير الرسمى فى الاقتصاد صفقة نادرة، يعود فيها الإصلاح بالفائدة على جميع الأطراف.

فى دراسة قمت بها عام 2005، تشير النتائج إلى أن إنجاز عملية الاندماج بنجاح يمكن أن يطلق قدرات أصحاب الأعمال  والعاملين فى هذا القطاع ويحسن من إنتاجيتهم، مما يساهم فى زيادة معدل النمو الاقتصادى بما لا يقل عن 1.3%. هذه الزيادة يقتسمها من يعملون فى هذا القطاع، من أصحاب أعمال وعاملين. إضافة لذلك، من المتوقع، حتى مع إعفاء كامل من الضرائب على الدخل، أن تجنى وزارة المالية إيرادات جديدة من ضريبة القيمة المضافة. هذه الضريبة الأخيرة يتحملها المستهلك، لكنه يحصل فى المقابل على سلع أكثر جودة وأمانا لخضوعها للفحوصات الصحية وغيرها. وتزداد أهمية القضية برمتها فى مصر إذا أخذنا فى الاعتبار أن القطاع غير الرسمى يستوعب ما لا يقل عن 40% من القوى العاملة، معظمهم من محدودى الدخل.

إذا كانت الصفقة بهذه الجودة، لماذا لم نغتنمها حتى الآن؟ إجابة هذا السؤال تستوجب الإجابة على عدد آخر من الأسئلة: لماذا يفضل العاملون فى القطاع غير الرسمى العمل فى الظل؟ وما هى أوجه القصور فيما تم من محاولات للدمج حتى الآن؟ وأخيرا، هل هناك حلول بديلة؟.

فى تفسير الظاهرة، ظنى أن قرار البقاء فى الظل يعكس رشادة من جانب التاجر الصغير، أو الحرفى محدود الإمكانيات، أو مقدمى الخدمات البسيطة. رشادة هذا القرار ناتجة عن تدنى الربحية فى القطاع الرسمى مقارنة بالقطاع غير الرسمى، أولا بسبب الرسوم والتعقيدات الإدارية عند الدخول إلى، والعمل فى، والخروج من القطاع الرسمى، فضلا عن أعباء الضرائب والتأمينات الاجتماعية، وثانيا، تدنى فرص الأنشطة متواضعة الحجم فى الحصول على قروض من البنوك، أو الدخول فى أسواق جديدة، أو الحصول على عقود حكومية. أما بالنسبة للعاملين فى هذا القطاع بلا عقود، أو تأمينات اجتماعية، أو ساعات عمل محددة، فهذا سلوك اضطرارى، نظرا لقلة البدائل المتاحة فى القطاع الخاص الرسمى أو فى الحكومة.

النتيجة المنطقية لتشخيص الظاهرة على هذا النحو هى أن تحفيز القطاع غير الرسمى على الاندماج فى الاقتصاد يستلزم حزمة من الإصلاحات تكفى لزيادة ربحية العمل فى القطاع الرسمى مقارنة بالقطاع غير الرسمى، وهو ما لم يكن حاضرا فيما تم تبنيه من مبادرات حتى الآن. على العكس، اقترح البعض إبقاء القطاع غير الرسمى على حاله، لأن ذلك يساعد على امتصاص الصدمات القادمة من الخارج. وعندما توفرت الرغبة فى دمج القطاع، لم تتجاوز المبادرات المطروحة فكرة إعفائه من الضرائب مؤقتا، أو تسهيل حصوله على قروض بأسعار فائدة مخفضة. لم تنجح هذه المبادرات بالطبع، وهناك من الشواهد ما يؤكد أن نسبة العاملين فى القطاع غير الرسمى قد ارتفعت فى السنوات الأخيرة، نظرا لتباطؤ معدلات النمو فى القطاع الرسمى. إذا أردنا إقناع من يعملون فى القطاع غير الرسمى بالاندماج طواعية فى الاقتصاد، فمربط الفرس هو اتخاذ ما يكفى من إصلاحات لجعل العمل فى القطاع الرسمى أكثر ربحية من البقاء فى الظل. محاور هذا الإصلاح فى تقديرى ثلاثة: أولا، تحسين مناخ الاستثمار فى القطاع الرسمى، وفى ذلك فائدة لمن يعملون فيه ومن هم قادمون إليه. ثانيا، تبنى حزمة تحفيزية مؤثرة لمدة لا تقل عن 10 سنوات، بما فى ذلك إعفاء كامل من ضرائب الدخل، ومساهمات حكومية فى التأمينات الاجتماعية، وقروض بشروط ميسرة، ونسبة من العقود الحكومية. وأخيرا، أقترح إنشاء هيئة وظيفتها الأساسية تسهيل عملية الدمج.

هذا الحل المتكامل تم طرحه على حكومات ما قبل 2011، ولم يؤخذ به. وجاءت فرصة تفعيله عندما توليت حقيبة وزارة المالية عام 2013، لكن الوقت لم يسعفنا. اليوم، أعاود طرح الموضوع لاعتقادى بأن دمج القطاع غير الرسمى يمثل إحدى الفرص النادرة المفيدة لجميع أطرافه، كما أنه يخدم قضيتى النمو وعدالة التوزيع فى آن واحد.

نقلا عن المصري اليوم 

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صفقة نادرة صفقة نادرة



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 04:47 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

أماكن سياحية جاذبة للعائلات خلال عيد الفطر 2026
  مصر اليوم - أماكن سياحية جاذبة للعائلات خلال عيد الفطر 2026
  مصر اليوم - طرق سريعة وآمنة لإنقاص الوزن حسب خبراء التغذية

GMT 18:23 2022 الثلاثاء ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

ممارسة الرياضة صباحًا هي الأفضل لصحة القلب والأوعية الدموية

GMT 02:52 2018 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

الذهب يُسجل ارتفاعًا ملحوظًا قرب أعلى مستوى في 4 أشهر

GMT 07:55 2025 الأحد ,05 تشرين الأول / أكتوبر

10 وجهات سياحية أوروبية ساحرة لاكتشافها في فصل الخريف 2025

GMT 05:42 2020 الثلاثاء ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

إصابة نبيل دونجا لاعب فريق بيراميدز المصري بوباء "كورونا"

GMT 13:33 2020 الإثنين ,07 أيلول / سبتمبر

سيدة المحكمة المصرية في قفص الاتهام خلال أيام

GMT 13:27 2020 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

تعرَّف على 10 حقائق مثيرة للاهتمام عن جزر المالديف

GMT 01:49 2020 الجمعة ,03 كانون الثاني / يناير

انطلاق أولى حلقات برنامج «من مصر» على «CBC»

GMT 17:30 2019 الخميس ,26 كانون الأول / ديسمبر

هيثم محمد وزوجته الفنانة وفاء قمر يتعرضان لحادث سير

GMT 03:15 2019 الإثنين ,04 آذار/ مارس

النمو الاقتصادى بين التبعية والاستقلال

GMT 01:14 2019 الإثنين ,04 شباط / فبراير

وزارة التموين ومسؤولياتها عن ضبط الأسعار
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt