توقيت القاهرة المحلي 03:34:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عندما تغيب «الحياة »

  مصر اليوم -

عندما تغيب «الحياة »

بقلم-د. نيفين مسعد

قبل أقل من عامين وتحديدا فى 31 ديسمبر 2016 ودّعت جريدة السفير اللبنانية قراءها وصدر عددها الأخير يحمل العنوان التالى: «الوطن بلا سفير». هذا العنوان الذى تم اختياره بذكاء شديد كان يشير إلى ما هو أبعد من إغلاق جريدة، صحيح أن توقف أى جريدة عن الصدور هو خبر سيئ فى حد ذاته لأنه يعنى أن لعبة الشطرنج ستنقص لاعبا وقد يكون هذا اللاعب هو الملك نفسه، لكن الأهم أن احتجاب جريدة يعنى تحجيم قدرة الأفكار على الذيوع والانتشار والتأثير، وهذا جزء من القوة الناعمة سواء أكانت مملوكة للدولة أم مملوكة للأفراد. وبالتالى فحين حمل العدد الأخير من السفير العنوان الذى سبقت الإشارة إليه كان القصد منه أن التيار السياسى الذى تمثله الجريدة فقدَ ناطقا رئيسا باسمه، وهذا التيار هو التيار العروبي.

على خلاف العدد الأخير من السفير الذى ودع قراءه فإن العدد الأخير من الحياة لم يودعهم، وصدر عدد الخميس 31 مايو دون إشارة إلى أن شمس الأول من يونيو ستسطع وعالم الصحافة العربية بلا «حياة». لكن كان من المفارقة أن العدد الأخير نفسه قد شَيّع قطعة عزيزة من التراث السينمائى العربى هى الفنانة الكبيرة مديحة يسرى وكأنها باكورة مواكب الوداع الجماعى للماضى بنجومه وورقه وألقه. نعم سمع قرّاء الحياة بالأزمة المالية التى تعصف بالجريدة وبغيرها من الجرائد الورقية مع انخفاض معدلات قراءتها، ونعم أخذوا خبرا بغلق مكتب لندن وتحوُل مقر دبى إلى المقر الرئيس، بل إنهم علموا أيضا بالمواعيد المتتالية التى أُعلن عنها لحجب الجريدة، لكن كما فى كل المرات السابقة كانوا يأملون أن تستمر الحياة فلم تستمر.

فى مسار جريدة الحياة محطات أساسية من المهم التوقف عندها، المحطة الأولى هى محطة النشأة فى عام 1946 عندما أصدر القطب الشيوعى كامل مروّة فى بيروت جريدة تحمل اسم الحياة. هكذا قدّر للشوام أن تكون لهم أياديهم البيضاء على أكبر الصحف العربية وأقدمها، فكما أسس الأخوان بشارة وسليم تقلا جريدة (الأهرام) المصرية فى عام 1876 أسس كامل مروّة جريدة الحياة بعد هذا التاريخ بسبعين عاما بالتمام والكمال. وكان الشعار الذى اتخذه مروّة للجريدة هو «إن الحياة عقيدة وجهاد» وبجوار هذا الشعار كان يظهر بخط صغير اسم شوقى، فى إشارة إلى أمير الشعراء أحمد شوقى الذى كان شعار الجريدة مستلا من إحدى قصائده. فيما بعد اختفى اسم شوقى واستمر الشعار ملازما للجريدة. لم تكن الحياة هى الإصدار الصحفى الوحيد لمروّة لكنها كانت إصداره الأهم، فلقد كانت له إصدارات أخرى أقرب للطابع المحلى اللبنانى من قبيل صحيفة الديلى ستار بالإنجليزية وصحيفة بيروت ماتان بالفرنسية، أما صحيفة الحياة فكانت مقروءة عربيا وفى بلدان المهجر على أوسع نطاق ممكن، ولو شئنا دقة التعبير لقلنا إنها الجريدة الأولى للنخب العربية وإنها أسست مدرسة فى الصحافة العربية تقترن باسمها: مدرسة الحياة. وعندما أطلق أحدهم الرصاص على كامل مروّة وهو فى مكتبه بمقر الجريدة فى العاصمة اللبنانية وأرداه قتيلا عام 1966 فإن الحياة لم تتوقف، لكن إدارتها انتقلت من كامل إلى زوجته ومنها إلى ابنه جميل، وحدها الحرب الأهلية اللبنانية هى التى أسكتت صوت الحياة بعد ذلك بعشر سنوات كاملة.

المحطة الثانية هى محطة الولادة الجديدة للحياة عام 1988 على يد جميل مروّة الذى أعاد إحياءها انطلاقا من العاصمة البريطانية، فالحرب اللبنانية كانت قد استنزفت أطرافها تماما وبات لبنان متأهبا لحدث بحجم اتفاق الطائف. لم يكن لبنان وحده الذى تغير لكن العالم كله كان على حافة تغيير كبير مع إرهاصات تفكك الكتلة الشيوعية، هذه الكتلة التى حمل فكرها آل مروّة . فى الأربعينيات عندما استعرت معركة الأحلاف واحتدم الصراع من أجل التحرر الوطنى كان لشيوعيى لبنان كما للشيوعيين عموما موقفهم الواضح من هذه القضايا وكان هناك قطب دولى كبير يسندهم، أما وقد انهار الاتحاد السوڤيتى وتفردت الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولى فقد وجد الشيوعيون أنفسهم فى موقف لا يُحسدون عليه. انعكست هذه الأزمة الكبرى على جريدة الحياة، وفى تلك الظروف انتقلت ملكيتها إلى الأمير خالد بن سلطان عام 1996.

هنا بدأت المحطة الثالثة ـ الأخيرة ـ من مسار الجريدة، فعلى الرغم من هذه النقلة الأيديولوجية إذا جاز التعبير لملكية الحياة فإنها حافظت على رصانتها الخبرية، واستكتبت قامات بارزة عربية وغير عربية، وأسهمت بمقالاتها وتحقيقاتها ومقابلاتها فى إغناء السجال حول أبرز التطورات التى مرت بها المنطقة والعالم . صارت مرجعا لا غنى عنه لكل المهتمين بالشئون العربية سواء أكانوا أكاديميين أو باحثين أو شخصيات عامة، ومثل ملحقها الثقافى إضافة مهمة فى مجاله أما المجلات التى صدرت عن مؤسسة الحياة فكانت أقل ذيوعا من الجريدة.

ها هى ورقة جديدة من شجرة الصحافة العربية تسقط كما تسقط أوراق الخريف، هاهى جريدة الحياة تنتقل من أكشاك الباعة إلى الفضاء الإلكتروني..هذا الفضاء الذى ينتقل إليه كل شيء تباعا من أول المعاملات التجارية حتى العلاقات الاجتماعية. لكن معركة الصحافة الورقية رغم صعوبتها تستحق أن تخاض، صحيح أن وسائل التواصل تنقل الأحداث أسرع ويقبل عليها الشباب أكثر لكن تظل الصحافة الورقية هى الذاكرة التاريخية التى لا يمكن التلاعب بها، أما الطبعات الإلكترونية فليس هناك ما يمنع من تعرضها للتغيير.

نقلا عن الأهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عندما تغيب «الحياة » عندما تغيب «الحياة »



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt