توقيت القاهرة المحلي 03:34:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الجائزة

  مصر اليوم -

الجائزة

بقلم : نيفين مسعد

 أحكمت المربية الفاضلة إغلاق سترتها ذات اللون الأزرق الداكن حول صدرها، مرت على الأزرار الذهبية اللامعة وتأكدت من أن أي واحد منها لم يسقط هنا أو هناك، دارت دورة كاملة أمام المرآة لتتأكد من أن الچوب مفرودة وتصل إلى كاحلها. تمتمت كله تمام .. وأضافت نعم كله تمام إلا هذه الشعيرات التي نبتت فجأة قبل الموعد الشهري المعتاد لصباغتها، فهل غافلت هذه الشعيرات مصففها وتَخَفَت وسط الشعر الأبيض المتماوج فوق رأسها ؟ هل تعجل المصفف ولم يعط الشغل حقه لأن زبونة أخرى كانت تنتظره متأففة ؟ ليس الأمر مهما على أي حال فالمظهر العام لا بأس به أبدا. لا تخرج صاحبتنا إلى أي مكان إلا ومظهرها العام لا بأس به أبدا، حتى وإن ذهبت لتتسوق احتياجاتها الأسبوعية من الخضر والأجبان، هكذا تربت في بيت أسرتها وهكذا استمرت في بيتها .

ذاهبة هي الآن لترى مفاجأتها التي لا تعرف ما هي، جاءتها رسالة على تليفونها تخبرها أنها فازت بجائزة عينية من السوبر ماركت المعروف الذي تتعامل معه منذ افتتاحه وحتى يومنا هذا. هي عادة لا تستجيب أبدا للرسائل التي تتقاطر على تليفونها وتعزف كلها على النغمة نفسها: مبروك لقد فاز رقمك بسيارة، فاز برحلة لأداء العمرة، فاز بمبلغ كبير من المال، فاز بساعات مجانية للمكالمات التليفونية أو الإنترنت، أبدا لا تستجيب فالدجل في هذا النوع من الرسائل شائع. لكن مع هذا السوبر ماركت يوجد ميراث من الثقة، يعرفونها هي وكل أفراد أسرتها، يوصلون الطلبات إلى منزلها، وكثيرا ما توسطت لأصحاب السوبر ماركت لدى معارفها في وزارة التربية والتعليم ثم في وزارة التعليم العالي لاحقا. لهذا كله فلا موضع للدجل ولا للمخادعة .

ومع ذلك فحين أتتها رسالة الجائزة أطرقت مفكرة ليس لأنها تشك فيها لكن لأنها تتحرج منها فسلوكها العام يتميز بالتحفظ . تضحك بقَدَر وتفضفض بقَدَر وتثق بقَدَر وتتعامل بالأصول. والحال هكذا كيف لها وهي المربية الفاضلة أن تذهب إلى السوبر ماركت لتبسط يدها وتتلقى جائزة ؟ هي لا تريد أن ترفع الكلفة بينها وبين أصحاب السوبر ماركت حتى وإن جمعتها بهم عشرة طويلة تبرر لها أن تتبسط معهم. تشاورت مع أسرتها في الأمر كما تشاورهم في كل الأمور على طريقة فاتن حمامة في رائعة إحسان عبد القدوس "إمبراطورية ميم" ، فأشاروا عليها بالذهاب وإن لم يندهشوا من حيرتها فهم يعرفون تماما حرصها على الشكل العام والسلوك المنضبط. استجابت لمشورتهم واقتنعت بألا ضير في أن تذهب لبعض دقائق، تبرز الرسالة التي وصلتها على هاتفها إلى المسؤولين في السوبر ماركت، تتلقى منهم هديتها ولعلها تكون هدية كبيرة، ثم تنصرف في سلام وتعود أدراجها إلى المنزل.

توقفت سيارتها الستروين السوداء أمام السوبر ماركت فوجدته غير هذا الذي تعرفه، أحيط السوبر ماركت بسرادق ضخم كسرادقات المناسبات الاجتماعية فصار عبارة عن نقطة صغيرة وسط أمواج من البشر ذكّرتها بالشعيرات البيضاء القليلة في مفرقها، وقالت هذا مثل تلك. عندما فتح لها السائق النوبي باب سيارتها ونزلت سرعان ما جفلت، ما كل هذا الزحام وما كل هذه الجلبة وما كل هذه الأنوار الحمراء والخضراء والصفراء ؟ أما ما حسم موقفها وجعلها تقرر أن تنسحب من المكان فكان حضور إحدى القنوات الفضائية لتصوير لحظة تسلم الفائزين جوائزهم. الفائزون؟ نعم اكتشفت أنها ليست هي الفائزة الوحيدة وأن هناك آخرين تلقوا الرسالة التليفونية التي تلقتها، فها هو أحد أصحاب السوبر ماركت ينادي في الميكروفون على المهندس فلان الفائز الثالث بجهاز خلاط ألماني ماركة كذا، فإذا برجل بدين متوسط العمر يشق طريقه وسط الناس بصعوبة بالغة ويصافح صاحب السوبر ماركت رافعا جائزته في الهواء. لا لا لا محال أن تقف المربية الفاضلة في هذا المشهد وتبث الفضائيات صورتها وهي ترفع جائزتها إلى أعلى فيراها طلابها العفاريت ويتندرون .

بينما تهم صاحبتنا بدخول سيارتها والعودة للخلف دُر إذا بواحدة من زميلاتها المدرسات تناديها، ارتبكت.. تجمدت.. لم تنطق. لعل زميلتها هي الأخرى من الموعودين بجائزة من الجوائز، ليكن ذلك فما شأنها هي بالأمر؟ تفعل زميلتها ما تشاء فهمًا لا تتشابهان. أفلتت يدها من راحة زميلتها وحاولت دخول سيارتها مجددا فأتاها عبر مكبر الصوت من يقول: الجائزة السادسة وهي عبارة عن براد كهربائي صيني ماركة كذا فازت بها الأستاذة فلانة كبيرة المعلمات بمدرسة .... يا الله! قُضي الأمر وعرف به القاصي والداني. في مشهد لن تنساه قط وجدت زميلتها تدفعها بقوة للأمام ثم تكفل صف بشري تلو آخر بدحرجتها من الخلف للمقدمة وقد فقدت السيطرة على جسدها بالكامل. هي الآن تخوض حرب بقاء، لا تملك النكوص ولا يمكنها الهرب واستغاثتها تذهب هباء. في هذه الأثناء تحديدا استعادت تجربتها في لمس الحجر الأسود قبل أعوام .

حملتها الأمواج البشرية إلى المنصة.. عقلها لا يتوقف عن الدوران.. ماذا تفعل؟ الإعلام.. الطلاب.. الوقار.. المظهر العام .. واتتها فكرة . انتزعت الميكرفون من صاحبه وقالت: جئت إلى هنا رغم المشاغل الكثيرة وتحملت مشقة الخوض وسط الزحام لأهدي هذه الجائزة لأحدث زوجين شابين من زبائن السوبر ماركت، إن رسالتي كمربية لا تقف عند حد تعليم الشباب، لكنها تمتد لمساعدة هؤلاء الشباب قدر استطاعتي على أن يعيشوا حياة أفضل. صفق الحاضرون احتراما لها، ورفعت هي البراد إلى أعلى ونظرت إلى بؤرة الكاميرا الفضائية وقلبها يختلج بشدة، ومع ذلك فإنها تمالكت نفسها بجهد جهيد وبدت أمام الجميع كأنها ثابتة.

نقلا عن الشروق القاهرية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الجائزة الجائزة



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt