توقيت القاهرة المحلي 13:35:53 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الطفيل ورائحة الفقر المزمنة

  مصر اليوم -

الطفيل ورائحة الفقر المزمنة

بقلم : خالد منتصر

شاهدت الفيلم الكورى «طفيلى» الحائز على أوسكار أفضل فيلم، كوميديا سوداء عن أنياب الرأسمالية حين تخترق لحم وأحشاء الفقراء وتشوه المجتمع بكل أطيافه لا تستثنى أحداً حتى الأثرياء، يبدأ الفيلم بقبو أو بالأصح مسكن كالقبو لا يرى الشارع إلا من خلال نافذة علوية تطل دائماً على السكارى وهم يتبولون، وينتهى بقبو فى قصر اختبأ فيه من قبل فقير هارب من الديون، ويختبئ فيه الآن فقير آخر هارب من ملاحقة الشرطة على جريمة قتل قد اقترفها، الفقر يورث التحايل على الحياة، العائلة الفقيرة لديها ذكاء فطرى يجعلها تتآلف مع تلك الحياة القاسية الضنينة البخيلة، كما تتآلف الحرباء مع أوراق الشجر ورمال الصحراء، سقف أحلامهم سرقة إشارة الواى فاى من الجيران، تبدأ خيوط السلسلة الجهنمية بالابن الذى يرشحه صديق لتعليم ابنة عائلة ثرية اللغة الإنجليزية، وتبدأ حلقات الخداع بتفاصيل ذكية لتوظيف كل العائلة، الأخت مُدرسة رسم للطفل الصغير، الأب سائق لرب العائلة، الأم مديرة المنزل، ذكاء الفقر الفطرى ينتصر على سذاجة أصحاب الحظوة من الأثرياء، العائلتان يضمهما عالم واحد، لكن الأولى لا ترى الشمس والثانية حديقتها بلا سقف يغمرها ضوء الشمس، الأولى تغرقها الأمطار الممتزجة بالصرف الصحى، والثانية تغسل الأمطار أشجار حديقتها وسقف قصرها، العائلة الفقيرة تستطيع أن تتخلص من كل مظاهر فقرها أمام العائلة الثرية، تتخلص من الملابس الرثة واللغة الخشنة، لكنها لم تستطع أن تتخلص من رائحة الفقر المزمنة التى لا تخطئها أنوف المليارديرات، يأتى الانقلاب حين يطمع الفقراء فى اختلاس لحظات نشوة فى القصر أثناء إجازة العائلة الغنية، لينكشف الستار عن قبو فى هذا القصر الذى صممه مهندس معمارى عبقرى ليسكن فيه قبل أن يبيعه، هذا القبو يختبئ فيه ضحية فقيرة أخرى وهو زوج مديرة المنزل السابقة، يتعرى الفقراء أمام بعضهم البعض ويحدث صراع شرس للاستحواذ على هذا الفتات الذى يسمح لهم بمجرد العيشة، وتأتى النهاية فى حفل القصر الذى كانت خاتمته مجزرة بشرية لا تستطيع وأنت تتابع إيقاعها الدموى إلا أن ترتعش من مصير هذا العالم إذا استمرت فيه تلك الفجوات المرعبة بين الأغنياء والفقراء، بين المنعمين والمعدمين، كانت مشاهد غرق القبو الذى تسكنه العائلة الفقيرة من أكثر المشاهد تعبيراً عن هذا الضياع الإنسانى فى مجتمع رأسمالى لا يرحم، هؤلاء الفقراء الذين يعتبرهم المجتمع طفيليات تمتص دمه النقى الأزرق وتلوث ياقته البيضاء، تساءل الابن وهو يطل على مشهد الحفل الفخم فى القصر المنيف: هل أنا أنتمى إلى هذا العالم؟، حلمه كان أن يستلقى على خضرة الحديقة ويستقبل الضوء بلا حواجز، انتهى الحلم بالدم وبالسكين، لكن رائحة الفقر لم تنته بعد، لم يتخلص من رائحة القبو التى تثبتها الرطوبة اللزجة بصمغ الحاجة والعوز.

الفيلم صرخة مكتوبة على شريط سينما بلغة عذبة وبسيطة وصورة مستفزة صادمة، فيلم ينتصر للإنسانية ويحذر: أنقذوا الإنسان قبل أن يتوحش.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الطفيل ورائحة الفقر المزمنة الطفيل ورائحة الفقر المزمنة



GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:23 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

المبحرون

GMT 08:21 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

قرارات أميركا العسكرية يأخذها مدنيون!

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 08:51 2025 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

يقولون : في الليل تنمو بذرة النسيان..

GMT 04:34 2017 الخميس ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

طرق مضمونة لتوظيف الشمع في الديكور دون أضرار

GMT 06:29 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

شيرين رضا تحل ضيفة في برنامج "هنا العاصمة" الثلاثاء

GMT 14:11 2017 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

باسم مرسي يعود إلى تدريبات الزمالك بعد لقاء الاتحاد

GMT 07:01 2015 الإثنين ,07 كانون الأول / ديسمبر

المطربة ياسمين علي تتألق على مسرح معهد الموسيقي العربية

GMT 02:22 2014 الأربعاء ,26 آذار/ مارس

حديقة "أولهاو" تغّري زوّارها بفضائها الطبيعي

GMT 02:56 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

صناعة الزجاج تُشكل هوية ثقافية كبيرة في فلسطين

GMT 20:23 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ضمّ اسم الوليد بن طلال لصدارة قائمة الفساد في السعودية

GMT 22:09 2016 الجمعة ,16 كانون الأول / ديسمبر

وكيل صالح جمعة يوضح حقيقة سهره في "ملهى ليلي"

GMT 20:32 2017 الثلاثاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

العراق يتسلّم من إيطاليا تمثال "الثور المجنح" بعد إعادة ترميمه
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt