توقيت القاهرة المحلي 19:29:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من الصداقة الفعلية إلى الصداقة الرقمية.. تمرين فى التفسير

  مصر اليوم -

من الصداقة الفعلية إلى الصداقة الرقمية تمرين فى التفسير

بقلم : نبيل عبد الفتاح

 نستمع بين الحين والآخر لبعض الملاحظات حول فتور علاقات الصداقة وتراجع الألفة، والاتصال المباشر، والمشاعر الفياضة، وتنميط لغة التعبير عن اهتمام الأصدقاء ببعضهم بعضًا حول مسارات حياتهم ومشاكلهم، وفى مسراتهم، أو أتراحهم، فى لحظات السعادة والنجاح والتألق المهنى فى العمل، أو فى الحياة الخاصة والأسرية، أو فى لحظات الحزن أو المرض أو الألم ... وغيرها من تجليات الحياة اليومية ووقائعها ومشاعرها، وذلك على نحو ما كان يحدث فى مسارات حياة الصداقة. الأمر لا يقتصر عليها فقط، وإنما تمتد الملاحظات الحاملة للشكوى وبعض الألم وتدفق الحنين إلى مشاعر وحياة أزمنة الماضى البعيد والقريب والمركب فى حياتنا، حول العائلة والأسرة والعلاقات داخلهم بين الآباء والأبناء، وبين الإخوة بعضهم بعضًا وامتداداتهم إلى الأقارب. ما هى الأسباب التى أدت إلى فتور مؤسسة الصداقة فى حياتنا؟

اكتسبت مؤسسة الصداقة فى الماضى ثقلاً كبيرًا فى حياة الأشخاص لاسيما فى الريف لأنها كانت قريبة ومتداخلة مع العلاقات القرابية فى ظل العصبية التقليدية كالقبيلة والعائلة الممتدة، والجيرة، ومن ثم كانت تعتمد على روابط أولية أكثر عمقًا فى المدن الكبرى الكوزموبوليتانية، وتمدد التعليم، واتساع قاعدة العمل، وعلاقات الزمالة والمهنة ومن ثم تمايزت الصداقة كمؤسسة عن الروابط التقليدية، واتخذت طابعًا مركزيًا فى حياة المدينة وعلاقاتها، وأصبحت ذات خصوصية عن الزمالة والأخوة والقرابة والجيرة. ساعد على هذا التحول الانتقال إلى المجتمع الرأسمالي، مع بعض من الخلط والتشوش بين الأنانية والفردية، ونمو عمليات الفردنة ــ إنتاج الفرد كفاعل اجتماعى ومشيئة وإرادة ــ التى ساعدت على تبلور الوعى بالذات الفردية. هذا التحول تزامن مع استمرارية بعض أشكال الروابط القرابية والجيرية التقليدية، وتزايدت منذ عقد الستينيات من القرن الماضي، مع ظواهر الاستقطاب الحضري، وترييف المدن الكبرى ــ القاهرة والإسكندرية وغيرهما ــ وتمدد أنماط الروابط التقليدية إلى المدن، لاسيما مع نمو مضطرد للمناطق العشوائية.

نمط الصداقة الشخصية استمر بعض من ملامحه حتى أوائل القرن الجديد، وبدأت بعض التغيرات تعترى أنسجة الصداقة مع بعض التغيرات الموضوعية، ومنها تزايد الأزمات الاقتصادية، واللجوء الاضطرارى للعمل الإضافي، أو الهجرة إلى إقليم النفط، أو إلى أمريكا وأوروبا لبعضهم! من ناحية أخرى أدت ثورة التطلعات الاستهلاكية إلى ربط مفهوم السعادة بالسلع والخدمات وتملك العقارات والسيارات على نحو أدى إلى انخراط الأشخاص فى دوامات السعى إلى الحصول على الأموال بشتى الطرق، ومن ثم إلى تباعد لقاءات الأصدقاء المباشرة، وتحولت الصداقة إلى دائرة لتبادل الهموم والمشكلات والآلام.

مع بروز الهاتف المحمول، بدأت العلاقات والتفاعلات المباشرة بين الأصدقاء والأفراد عمومًا تأخذ أشكالاً جديدة عبر هذه الأداة الاتصالية الجديدة التى أخذت مساحات أكبر من نمط الاتصال المباشر بين الأصدقاء بعضهم بعضًا. من ثم تراجع مفهوم الصداقة على خريطة الزمن الفردي، من الزمن المتثاقل الذى يمنح الشخص وقت الفراغ الكافى الذى يعطى للأصدقاء اللقاءات وتبادل المشاعر المباشرة والهموم المشتركة فيما بين بعضهم بعضًا. مع أجيال الهاتف المحمول المتسارعة التطور والمجالات تقنيًا، أصبح الزمن سريعًا وكثيفًا ومتلاحقًا ومن ثم قل الوقت المتاح للصداقة المباشرة، لصالح نمط جديد يتمثل فى الصداقة الرقمية، على مواقع التواصل الاجتماعى ــ الفيس بوك وتويتر وانستجرام- وأصبحت مساحاتها واسعة ومتنوعة، ولم تعد قصرًا على علاقات شخصية مع بعض الأشخاص، وإنما اتسع نطاقها ليغدو كونيًا وإقليميًا وكل أرجاء الوطن وتعددت بين الرجال والنساء، واعتمدت على الاختيارات، وعلى سهولة بناء علاقات الصداقة الرقمية، وعلى إمكانية وسرعة إنهائها. لم تعد الصداقة الرقمية تحتاج إلى البوح الفردى المتبادل بين الأصدقاء، وإنما البوح بات عامًا، أو على دائرة الخاص، وأكثر سهولة ومباشرة. من ناحية أخرى أصبحت الصداقة الرقمية ذات طبيعة انكشافية، حيث الآراء والمشاعر واضحة. أدت الحياة الرقمية إلى انكشاف الذات ومعها انهيار مفهوم الخصوصية، وإلى أشكال شبكية فى علاقات الصداقة تختلف عن الصداقة الفعلية، وإلى مؤسسة رقمية للصداقة أوسع نطاقًا من علاقات الصداقة الشخصية. لم تعد الصداقة دائرة للستر أو للأسرار بين أطرافها، وإنما باتت متاحة أمام الجميع، وقابلة للاختراق من الآخرين، ومن بينهم دول وأجهزة أمن واستخبارات وشركات معلومات، ومنتجو السلع ومقدمو الخدمات. تم تسليع الصداقات وشبكاتها وأسرارها وميولها أيًا كانت، تم تسليع مشاعر الصداقة الرقمية. الأخطر هو ما يبدو فى خطاب الصداقة الرقمى ــ التغريدات وغيرها ــ حيث تنميط التعبيرات الدالة على الصداقة الرقمية، من خلال أشكال يتم استخدامها دلالة على التحبيذ أو الحب أو الحزن أو الدهشة أو الغضب، أو من خلال لغة نمطية خشبية، أقرب إلى الكلام الساكت. لغة جوفاء فى غالبها، وتعبر عن بعض من تنميط مشاعر الصداقة الرقمية الجافة. التضامنات فى الحزن والمشاركة فى المسرات لم تعد تعبيرًا فرديًا وطليقًا عن الذات، وإنما أصبحت محض شكل من الأشكال السابقة التجهيز. من هنا نستطيع القول إن مؤسسة الصداقة الرقمية الأوسع نطاقًا، والأكبر عددًا هى أحد أشكال التغير فى أفعال الإنسان الطبيعى وتحول بعضها إلى أفعال رقمية كنتاج لتطورات تقنية هائلة وسريعة ومتدفقة فى متغيراتها، وهى ظواهر تحتاج إلى ذكاء المتابعة رصدًا وتحليلاً لتأثيراتها على مألوف حياتنا الفعلية.

نقلاً عن الآهرام القاهرية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من الصداقة الفعلية إلى الصداقة الرقمية تمرين فى التفسير من الصداقة الفعلية إلى الصداقة الرقمية تمرين فى التفسير



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 18:40 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

الكرملين يدعو لضبط النفس ويحذر من فوضى إقليمية بسبب إيران
  مصر اليوم - الكرملين يدعو لضبط النفس ويحذر من فوضى إقليمية بسبب إيران

GMT 13:18 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

ياسمين رئيس تثير حيرة الجمهور في برومو مسلسلها الجديد
  مصر اليوم - ياسمين رئيس تثير حيرة الجمهور في برومو مسلسلها الجديد

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

مواعيد مباريات الثلاثاء 27 يناير 2026 والقنوات الناقلة

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 15:13 2025 الأحد ,07 كانون الأول / ديسمبر

أجمل فساتين السهرة التي تألقت بها سيرين عبد النور في 2025

GMT 10:31 2024 الثلاثاء ,15 تشرين الأول / أكتوبر

علي ماهر يبحث تدعيم الجبهة اليسرى بالمصري بعد رحيل مارسيلو

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند

GMT 03:05 2018 الثلاثاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

طُرق طبيعية جديدة للتخلّص مِن عدوى الجيوب الأنفية المُؤلمة

GMT 09:13 2022 الثلاثاء ,01 آذار/ مارس

اذا طرق العنف بوابة الزواج

GMT 23:29 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

منة شلبي تثير الجدل حول عودة حنان ترك للتمثيل

GMT 08:43 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

كشف ملابسات العثور على جثة مسن داخل بئر بمركز قوص في قنا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt