توقيت القاهرة المحلي 23:05:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عالم متغير يزيل الأمم المتحدة وينعش أنظمة إقليمية!

  مصر اليوم -

عالم متغير يزيل الأمم المتحدة وينعش أنظمة إقليمية

بقلم:هدى الحسيني

شو إن لاي الشخص الأقوى في الصين زمن ماو تسي تونغ، كان مفكراً مهماً واقتصادياً رفيع المستوى، وهو وتلاميذه كانوا أول من وضع الأسس الأولى لنقل الصين من الثورة الثقافية التي أدت إلى كثير من الضياع والتخبط إلى ما هي عليه الصين اليوم. يقول شو إن لاي في حديث مع الكاتب محمد حسنين هيكل عام 1969 إن العالم سيشهد تغيرات كبرى، وإنه عندما تحصل، كما دوماً ومنذ الأزل، سوف تدب فوضى عارمة، وتحصل أزمات وصراعات وحروب تستمر إلى أن تنجلي معالم التغيير وشكل العالم الجديد.

ويكمل الزعيم الصيني أنه في عملية التغيير هناك نوعان من الدول؛ تلك التي تدرك التغيير فتتحرك لاستيعابه والتكيف معه، لتصبح من «دول الداخل»، وأخرى لا تلتقط التغيير وتبقى خشبية جامدة ضعيفة هزيلة هامشية منقسمة على نفسها، فتصبح عرضة للتدخلات الخارجية والعبث بأمنها وخيراتها، وتسمى «الدول الخارجة».

عالم اليوم يثبت صحة ما قاله شو إن لاي قبل 57 عاماً، وها نحن نشهد تغييراً نرى أحداثه بأم العين مباشرة على التلفزيون وبوسائل التواصل. من معالمه التي بدأت تتوضح أن من يسميهم شو إن لاي بـ«دول الداخل» ليسوا فقط مَن لديهم مزيداً من الطائرات والدبابات والمدافع والأساطيل، بل من ينتجون أيضا ذكاءً اصطناعياً متفوقاً، ويملكون قدرات سيبرانية متقدمة يعملون على تطويرها وتوسيع نطاقها بلا توقف.

أما من يعتمد على قدرات الجيش التقليدية فقط، فهم من دول الخارج التي لن تستطيع الصمود أمام الطامعين والطامحين في التوسع من دول الداخل، ولإثبات ذلك، لا يوجد أفضل من مثال انهيار الاتحاد السوفياتي الذي لم يواكب التغيير، وكذلك جيوش الأنظمة العربية البائدة التي صرفت ثروات طائلة على أسلحتها التقليدية لتنهار سريعاً أمام أول تحدٍ.

ويبدو أن هناك تغييراً في النظام الدولي الذي نشأ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والذي قام على مبادئ وقوانين وأعراف تم التوافق عليها بين جميع الدول تحت قبة الأمم المتحدة، بهدف منع تكرار الحروب الكبرى وحماية الدول المستضعفة وإنشاء تنظيمات تُعنى بأمور حقوق الإنسان ورعايته الصحية والبيئية والاجتماعية، إلا أن هذه المؤسسة الأممية فشلت بتحقيق آمال الشعوب بالأمن والحماية والعدالة، ومع الوقت أصبحت قرارات جمعياتها العمومية لا تساوي قيمة الحبر الذي تكتب به.

أما قرارات مجلس الأمن، فهي دائماً معطَّلة بـ«حق النقض» للدول الأعضاء التي تمارسه دوماً بسبب تعارض مصالح بين الدول الأعضاء الخمس. وما زاد في العقم أن هؤلاء الأعضاء أقدموا بأنفسهم على مخالفة القوانين الدولية والمبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة. ولقد كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب واضحاً وصريحاً بقوله إن منظمة الأمم المتحدة فاشلة ولا تعمل، ومشاركة بلاده بموازنتها (25 في المائة) تذهب هدراً، ولن يسمح باستمرارها، وقد وقع الأسبوع قبل الماضي أوامر إدارية بإلغاء مشاركة بلاده بـ66 منظمة تابعة للأمم المتحدة، وقبلها ألغى ميزانية «الأونروا»، وقال إن هناك المزيد من الإجراءات بهذا الاتجاه.

وعليه، يبدو العالم المتغير بلا منظمة الأمم المتحدة التي قد تحل مكانها أنظمة إقليمية تتزعم كل منها واحدة من الدول القوية من الداخل. وتصبح الولايات المتحدة المركز الأهم في عالم متغير جديد بسبب فائض القوة الذي تمتلكه عسكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً.

العالم المتغير يكون بلا أحلاف عسكرية، مثل «الناتو»؛ فهي تشكل عبئاً على دول الداخل، وتعيق قدراتها بالتحرك. وقد نقل جون بولتون مستشار الأمن القومي السابق في ولاية ترمب الأولى أن الرئيس يعتقد أن المصاريف المجمعة السنوية لـ«حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، تبلغ نحو 1.5 تريليون دولار تساهم بلاده فيها بنسبة 66 في المائة،؜ أي نحو 900 مليار دولار، وهذا في أغلبه يهدف لحماية أوروبا، في وقت يتوجب فيه حماية مصالح الولايات المتحدة أولاً من خطر داهم من الشرق تحديداً (الصين وبدرجة أقل الهند)، وليس من أوروبا، وعليه، فقد يشهد العالم نهاية الأحلاف التي قادتها الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي لم تستفد منها في المقابل بأي شيء.

وقد يشهد العالم المتغير انتهاء أو تقلصاً في حجم الاتحادات الاقتصادية السياسية، مثل الاتحاد الأوروبي، وقد شاهدنا كيف ألغى الرئيس ترمب بأوامره الإدارية اتفاق «النافتا» الذي كان أنشئ عام 1994 لتكوين سوق تجارة حرة بين دول شمال أميركا والمكسيك؛ ففي عالم تتنافس فيه الدول لتكون في الداخل لا يمكن أن تتباطأ حركتها لأجل دول أخرى أقل تقدماً. وفي هذا السياق، تعرضت أوروبا لعديد من المشكلات، كان آخرها تبعات جائحة «كوفيد - 19»، وأعباء الحرب الأوكرانية، وأزمة الغلاء العالمية، إضافة إلى المنافسة الحادة مع الصين، وانكفاء الولايات المتحدة عن القارة العجوز، كلها شكلت عناصر ضغط جعلت مستقبل الاتحاد الأوروبي على المحك، على الأقل بشكله الحالي، خصوصاً أن دول أوروبا المتقدمة التي تسعى لكي تكون في الداخل ستجد في دول الاتحاد الأقل تطوراً عائقاً سيمنعها من التقدم للوصول إلى الداخل. وها هو مثال ألمانيا التي تحملت أكلافاً أثقلت كاهلها، بسبب تعثر وتخلف بعض دول الاتحاد، ما أدى إلى تراجع اقتصادها وفقدان توازنها الاجتماعي. وسيكون من الصعب أن تستمر الأمور كما هي عليه إذا ما أرادت أن تتحرك لتكون من دول الداخل.

العالم المتغير يبدو عالماً إمبراطورياً بامتياز؛ فما حصل في فنزويلا لم يكن مجرد إلقاء القبض على رئيس دولة ومحاكمته، وهذا مارسته الولايات المتحدة من قبل، بل الأمر تعدى ذلك؛ بالاستيلاء المباشر على ثروات فنزويلا، تماماً كما كان يفعل الأباطرة في زمن الإمبراطوريات. إنه عالم متغير القوانين، ومبادئه تفرضها مصالح القوى الإقليمية الداخلة التي بدورها تحفظ مصالح الإمبراطور الأميركي، وإلى أن يستقر العالم، سنشهد كثيراً من الفوضى والأزمات والحروب، تماماً كما قال شو إن لاي لمحمد حسنين هيكل في أحد الأيام قبل 57 عاماً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عالم متغير يزيل الأمم المتحدة وينعش أنظمة إقليمية عالم متغير يزيل الأمم المتحدة وينعش أنظمة إقليمية



GMT 06:33 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

بعدما فازت إسبانيا... ماذا عن «نظريات» ميسي؟

GMT 06:28 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

GMT 06:26 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

آفاق مستقبل النفط

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الشرق الأوسط... حروب أم بداية حلول؟

GMT 06:20 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الناس والأسماء والسياسة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 16:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027
  مصر اليوم - ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt