توقيت القاهرة المحلي 14:35:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ترمب يستثمر «اتفاقات أبراهام» في جنوب القوقاز!

  مصر اليوم -

ترمب يستثمر «اتفاقات أبراهام» في جنوب القوقاز

بقلم:هدى الحسيني

في لحظة فارقة تُعيد رسم خرائط النفوذ في مناطق التماس بين الشرق والغرب، جاء توقيع اتفاق إطار سلام بين رئيس أذربيجان، إلهام علييف، ورئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، في البيت الأبيض، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ليُشكل محطة مفصلية في مسار نزاع استمر لعقود. الاتفاق لا يقتصر على إنهاء المواجهات بين الطرفين، بل يفتح الباب أمام ترتيبات اقتصادية وأمنية تمنح الولايات المتحدة حقوق تطوير حصرية لممر استراتيجي في جنوب القوقاز، في منطقة تتقاطع فيها خطوط الطاقة والنفوذ بين روسيا وأوروبا وإيران وتركيا.

يحمل هذا الاتفاق، الذي أُطلق عليه اسم «مسار ترمب للسلام والازدهار الدولي»، أبعاداً استراتيجية واسعة، إذ يقع في قلب منطقة غنية بالطاقة لطالما أعاقتها الصراعات عن استثمار إمكاناتها. ويرى مراقبون أنه يُشكل ضربة لموسكو، مع احتمال أن يتضمن دوراً عسكرياً أميركياً لحفظ السلام، فضلاً عن إمكانية انضمام أذربيجان إلى «اتفاقات أبراهام»، وهو ما لقي ترحيباً من أنقرة، التي تأمل في تعزيز صادراتها من الطاقة، في حين انتقده آخرون باعتباره يمنح باكو إعفاءً من المساءلة عن اتهامات بالتطهير العرقي في ناغورنو كاراباخ. ولتعزيز المكاسب السياسية، تراهن واشنطن على البُعد الاقتصادي للاتفاق بوصفه ركيزة للاستقرار في المنطقة. كما يأمل الجانب الأميركي في أن يُشكل هذا الاتفاق بوابة لدمج أذربيجان في منظومات تعاون إقليمي أوسع، بما يفتح طرقاً جديدة للطاقة والسلع، ويُعزز دورها بصفتها جسراً اقتصادياً بين آسيا وأوروبا، وهو ما يمنح واشنطن ورقة ضغط إضافية في التوازنات الدولية. هذا البُعد الاقتصادي لا يقل أهمية عن الأبعاد الأمنية، لأنه يربط أذربيجان بشبكات التجارة العالمية، ويُعزز مناعتها أمام الضغوط الروسية والإيرانية، ويُمكِّن الولايات المتحدة من ترسيخ وجود طويل الأمد في منطقة تتنافس عليها قوى كبرى منذ عقود.

وتُشير مصادر أمنية إلى أن الاهتمام الغربي بأذربيجان يرتبط بثروتها النفطية الكبيرة التي سمحت لها بتطوير قدراتها العسكرية، واستعادة ناغورنو كاراباخ في حرب خاطفة قبل أعوام. كما أن تحالفها غير المُعلن مع إسرائيل يُثير قلق إيران، خصوصاً لوجود أقلية أذرية كبيرة في غربها قد تُصبح عنصر ضغط داخلي. إلى جانب ذلك، عمّقت باكو تعاونها مع تركيا، وزادت إمداداتها من الغاز إلى أوروبا، لتصبح بديلاً مهمّاً عن الغاز الروسي، في وقت دعّمت فيه أوكرانيا وقلّصت مشترياتها من السلاح الروسي، وهو ما أثار غضب موسكو التي خذلتها في معاركها السابقة.

هذه التحوّلات، وفق المراقبين، تفتح فرصة للغرب لتقليص النفوذ الروسي في كل من أذربيجان وأرمينيا، خصوصاً بعد حادث إسقاط طائرة مدنية أذرية من قِبَل منظومة دفاع روسية في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2024، وهو الحادث الذي أدّى إلى مقتل 38 شخصاً في أثناء محاولة الطائرة إجراء هبوط اضطراري قرب مدينة أكتاو في كازاخستان. ضعف الحضور الروسي في باكو، وتزايد تململ يريفان من الاعتماد الاقتصادي والأمني على موسكو، يتيحان إعادة تموضع استراتيجي قد يمتد إلى تعزيز الروابط مع جورجيا. كما برز دور أذربيجان في ملفات إقليمية أوسع، من خلال وساطات في لقاءات غير مباشرة بين أطراف إسرائيلية وسورية، ما يعكس قدرتها على التأثير خارج نطاقها الجغرافي المباشر.

ولتكتمل صورة المشهد الإقليمي المعقد، تمتد بؤر التوتر جنوباً نحو الأراضي الفلسطينية؛ حيث تتداخل الحسابات السياسية والأمنية في الضفة الغربية، مع توازنات أوسع تتجاوز حدود المنطقة.

وفي موازاة ذلك، يتصاعد القلق من الوضع في الضفة الغربية؛ حيث يُحذر مراقبون من أن خطورته لا تقل عن غزة، رغم ضعف حضوره في العناوين الإخبارية. فتصاعد عنف المستوطنين المتطرفين ضد الفلسطينيين، من الاستيلاء على الأراضي إلى إحراق المزارع وتدمير المحاصيل وقتل المدنيين، يجري في ظل تقاعس الجيش الإسرائيلي أو تواطئه، خصوصاً أن العديد من جنود الاحتياط ينتمون إلى المستوطنات نفسها. ويُخشى أن يؤدي هذا الواقع إلى ضم فعلي للضفة، ما قد يُشعل موجة تصعيد إقليمي، خصوصاً مع تحركات بريطانية وفرنسية للاعتراف بدولة فلسطين، في انسجام مع مواقف روسيا والصين المؤيدة لهذا الاعتراف في مجلس الأمن. وتزداد المخاوف من أن اندلاع انتفاضة جديدة قد يفرض على إسرائيل ضغوطاً دولية غير مسبوقة.

في الجهة الشرقية من القارة الأوروبية، تبرز مولدوفا بوصفها محور اهتمام متزايد، بعد تحذيرات قيادتها من تدخل انتخابي روسي غير مسبوق. وتُشير مصادر أمنية إلى أن موسكو تستخدم أدوات «المناطق الرمادية» لتوسيع نفوذها في هذا البلد الهش اقتصادياً وعسكرياً والمرتبط بأوكرانيا من الجنوب. نجاح روسيا في جذب مولدوفا إلى صفها سيكون مكسباً استراتيجياً مهماً؛ نظراً لموقعها الحساس، في حين هشاشتها السياسية والاقتصادية تجعلها عرضة لهجمات المعلومات والتأثير السياسي. ويقارن المراقبون وضعها برومانيا التي حافظت بصعوبة على توجهها الغربي، رغم محاولات روسية للتأثير، إلا أن مولدوفا تفتقر إلى القدرات التي مكّنت جارتها من الصمود، ما يجعل التحذيرات الحالية بمثابة إنذار من الدرجة القصوى يتطلب دعماً اقتصادياً وسياسياً عاجلاً من الغرب.

من جنوب القوقاز إلى الضفة الغربية وصولاً إلى تخوم أوروبا الشرقية، تتضح صورة شبكة من البؤر الجيوسياسية التي تُمثل فرصاً وتحديات في آنٍ واحد. أذربيجان وأرمينيا توفران منفذاً للحد من النفوذ الروسي والإيراني، والضفة الغربية تُشكل عامل تفجير محتملاً لأي مسار سلام في الشرق الأوسط، ومولدوفا تُمثل ساحة اختبار لقدرة الغرب على صد التغلغل الروسي في خاصرته الشرقية. وفي عالم تتسارع فيه التحولات، وتشتد فيه المنافسة على النفوذ، فإن تجاهل هذه البؤر المشتعلة لن يعني فقط خسارة فرص استراتيجية، بل سيفتح المجال أمام خصوم الغرب لفرض وقائع جديدة على الأرض، تُعيد رسم الخريطة الدولية بملامح لا مكان فيها لتوازن القوى الحالي.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ترمب يستثمر «اتفاقات أبراهام» في جنوب القوقاز ترمب يستثمر «اتفاقات أبراهام» في جنوب القوقاز



GMT 08:36 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 08:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 08:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 08:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 08:26 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 08:23 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الطاقة في الأراضي الفلسطينية

GMT 08:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الولادات شاغلة البال عربياً ودولياً

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 09:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
  مصر اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 11:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
  مصر اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 10:58 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يمثل أمام المحكمة للرد على تهم الفساد للمرة الـ 75
  مصر اليوم - نتنياهو يمثل أمام المحكمة للرد على تهم الفساد للمرة الـ 75

GMT 14:11 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 02:31 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الجليسيرين المكوّن السحري لترطيب البشرة وحمايتها

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟

GMT 07:29 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور موسم خريف وشتاء 2025-2026

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 02:22 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

تأثير ألعاب الفيديو على الدماغ

GMT 10:11 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

موضة الأحذية في فصل ربيع 2023

GMT 21:55 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

الزمالك يفوز على الزهور 89-51 في دوري كرة السلة

GMT 07:12 2021 الإثنين ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

الدكتور خالد العناني يستعرض تاريخ وقصة اكتشاف معبد أبو سمبل

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 09:30 2017 الأحد ,04 حزيران / يونيو

تعرفِ على طريقة عمل الدجاج على الجمر

GMT 16:48 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الكشف عن قميص المنتخب المصري في مونديال روسيا 2018

GMT 19:18 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

ناسا تخطط لبناء مفاعل نووي على سطح القمر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt