توقيت القاهرة المحلي 07:12:08 آخر تحديث
  مصر اليوم -

روسيا تعرض «السلام المسلح» على أوكرانيا!

  مصر اليوم -

روسيا تعرض «السلام المسلح» على أوكرانيا

بقلم:هدى الحسيني

في لحظة نادرة من الانفراج النسبي، شهدت الحرب الروسية - الأوكرانية تطوراً لافتاً تمثل في تنفيذ أكبر صفقة تبادل أسرى منذ بدء الغزو في فبراير (شباط) 2022. حيث تم تبادل ألف أسير مقابل ألف أسير من الطرفين، في عملية قادها مسؤولو الدفاع والدبلوماسية بتنسيقٍ نادر الحدوث منذ توقف المحادثات المباشرة قبل أكثر من عامين.

الصفقة التي قوبلت بترحيب دولي حذر، عبّر عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشكل لافت حين كتب على منصة «تروث سوشيال Truth Social»: «مبروك للطرفين، هذا قد يقود إلى شيء كبير؟»، ثم سرعان ما اتخذت بعداً آخر حين أعلنت موسكو أنها بصدد تقديم مسودة اتفاق سلام «شامل» لأوكرانيا، عقب اكتمال عملية التبادل. إلا أن المؤشرات الأولية توحي بأن هذا السلام الموعود مشروط بمطالب «قصوى»، أبرزها تقليل عدد الجيش الأوكراني، والتخلي عن حلم الانضمام إلى الناتو، والتنازل عن أراضٍ شرقية تحتلها القوات الروسية.

من منظور أوكراني، تبدو هذه الشروط أقرب إلى الإنذار منها إلى التفاوض، مما يجعل الصفقة الإنسانية بدايةً لمسار تفاوضي مسموم، تستخدم فيه روسيا «التهدئة» وسيلةً لإعادة ترتيب أوراقها، أكثر من كونها بوادر حقيقية للسلام.

في الوقت نفسه، شنت أوكرانيا، حسب الرواية الروسية، هجمات واسعة النطاق بالطائرات المسيّرة على عمق الأراضي الروسية، مما أثار ردود فعل عنيفة من موسكو، التي هددت بالرد المباشر على منشآت الدفاع والصناعات العسكرية الأوكرانية. وقدرت وزارة الخارجية الروسية عدد الهجمات بـ800 طائرة مسيّرة وصواريخ، بعضها غربي الصنع، منذ 20 مايو (أيار) وحده. وإذا كانت أوكرانيا لم تعلن رسمياً مسؤوليتها، فإن تصعيدها يُفهم على أنه رسالة واضحة: لا سلام تحت شروط الإذعان.

لكنَّ المفارقة أن هذه التوترات لم تمنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من استغلال اللحظة للحديث عن ضرورة إنعاش صادرات السلاح الروسي. ففي خطاب له يوم الجمعة الماضي، أكد أن «محفظة الطلبيات الحالية للأسلحة الروسية تُقدّر بعشرات مليارات الدولارات»، داعياً إلى التوسع في سوق السلاح، لا سيما في التقنيات الحديثة المعززة بالذكاء الاصطناعي. وفي حين شدد على أن تزويد الجيش الروسي في أوكرانيا سيظل أولوية، فإنه لم يُخفِ الطموح لاستعادة جزء من النفوذ الذي خسرته موسكو في سوق السلاح الدولية.

فحسب معهد استوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI)، انخفضت حصة روسيا من صادرات الأسلحة عالمياً إلى 7.8 في المائة بين عامي 2020 و2024، مقارنةً بـ21 في المائة خلال الفترة السابقة، ويرجع هذا التراجع إلى العقوبات الغربية وازدياد الطلب الداخلي الروسي بفعل الحرب، إضافةً إلى مخاوف بعض العملاء التقليديين من الدخول في صدامات سياسية مع الغرب.

ومع ذلك، لا تزال روسيا تحتفظ بسوق نشطة للأسلحة، خصوصاً مع دول لا تربطها بالغرب علاقات تحالف قوية. من أبرز هذه الدول:

• الهند: التي تواصل شراء الأسلحة الروسية، خصوصاً في مجالات الطيران والدفاع الجوي والغواصات.

• الصين: التي ترى في روسيا شريكاً استراتيجياً ومصدراً مهماً لتكنولوجيا الأسلحة.

• مصر: التي تسعى إلى تنويع مصادر تسليحها، بعيداً عن الهيمنة الغربية.

• الجزائر: التي تُعدّ من أكبر زبائن السلاح الروسي في أفريقيا.

• فيتنام وإيران كذلك، لا تزالان ضمن قائمة المشترين النشطين.

اللافت أن بوتين، في خطابه ذاته، تحدث عن «منافسة شرسة» بدأت تتشكل في سوق السلاح العالمية، خصوصاً فيما يتعلق بالأسلحة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مما يعكس فهماً استراتيجياً أن السلاح لم يعد مجرد أداة حرب، بل وسيلة نفوذ واقتصاد وتموضع دولي.

لكن هذا الطموح الروسي لتوسيع صادرات السلاح لا ينفصل عن الواقع الجيوسياسي المتوتر. إذ تزامناً مع كل هذه التطورات، أعلنت فنلندا، عضو الناتو الجديد، أن طائرتين حربيتين روسيتين اخترقتا مجالها الجوي في حادثة خطيرة قبالة ساحل بورفو جنوب البلاد. وأكد وزير الدفاع الفنلندي أنتي هاكانن أن «التحقيق جارٍ بجدية». وإذا ثبتت صحة هذا الاتهام، فقد يشكّل ذلك تصعيداً مباشراً في العلاقة بين روسيا والناتو، ويفتح جبهة جديدة في الشمال الأوروبي.

إذن، ما نراه ليس مجرد تبادل أسرى، بل محاولة روسية لإعادة تشكيل ميزان القوى. من بوابة الدبلوماسية «الناعمة» إلى التصعيد العسكري، ومن سوق السلاح إلى خطاب الذكاء الاصطناعي، تعمل موسكو على إعادة ضبط استراتيجيتها على كل المستويات: سياسية، وعسكرية، واقتصادية.

لكن إن كان التاريخ قد علَّمنا شيئاً، فهو أن السلام لا يُفرض بقوة السلاح، ولا تُبنى العلاقات الدولية المستقرة على إملاءات طرف واحد. وبينما تدفع روسيا نحو تكريس نفوذها بالقوة، تبقى الحقيقة المؤلمة هي أن المدنيين، في أوكرانيا وروسيا، هم من يدفعون الثمن.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

روسيا تعرض «السلام المسلح» على أوكرانيا روسيا تعرض «السلام المسلح» على أوكرانيا



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt