توقيت القاهرة المحلي 13:47:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

خطاب التأجيج وخطاب السلام!

  مصر اليوم -

خطاب التأجيج وخطاب السلام

بقلم - عثمان ميرغني

زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن للمنطقة كانت محكومة بالفشل قبل أن تبدأ، لا بسبب مذبحة المستشفى الأهلي في غزة التي أثارت غضباً عارماً، وأدت لإلغاء القمة الرباعية التي كان يفترض أن تجمعه في عمان بالرئيس المصري والعاهل الأردني والرئيس الفلسطيني، وإنما بسبب الخطاب الذي تبنته إدارته والمواقف التي اتخذتها منذ تفجر الأوضاع بعد عملية «حماس».

ليس غريباً أن تتخذ الإدارات الأميركية مواقف داعمة لإسرائيل، ومدافعة عن أمنها بلا حدود، لكن إدارة بايدن ذهبت أبعد بكثير، وتبنت خطاباً فاجأ الكثيرين في حدته، وأثار التساؤلات حول مدى الحكمة في أن تقود واشنطن العديد من العواصم الغربية في تبني لهجة لا يمكن أن تؤدي إلا إلى مزيد من التأجيج لوضع ملتهب يمكن لنيرانه أن تتمدد وتتسع. رمت الإدارة بكل ثقلها وراء إسرائيل بلا قيود، وأعطتها الضوء الأخضر كي تفعل ما تريد، بل إنها حذرت دبلوماسييها من استخدام عبارات «وقف التصعيد، ووقف إطلاق النار، أو إنهاء العنف ووقف سفك الدماء، أو استعادة الهدوء» على أساس أن هذه العبارات لا تتماشى مع سياسة واشنطن الراهنة، وفقاً لمذكرة مسربة من الخارجية الأميركية نشرها موقع «هاف بوست» أو «هافنغتون بوست» كما كان يعرف سابقاً.

لذلك فإن كثيرين في المنطقة اعتبروا أن زيارة بايدن لن تتجاوز تأكيد التضامن مع إسرائيل ووقوف إدارته إلى جانبها. فحتى لو أنه جاء أيضاً، كما ردد بعض المسؤولين، لمنع تحول الأزمة إلى حرب واسعة في المنطقة، وللعمل على وصول المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة الذين يعانون تحت وطأة الحصار الشامل، والقصف المتواصل، فإن استمراره في خطابه الداعم للعمليات الإسرائيلية بلا قيود، عزز قناعة غالبية الرأي العام في المنطقة بأن سياسة واشنطن هذه تؤجج الوضع، وتشجع إسرائيل على المضي في استخدام العنف الذي تجاوز حق الرد ووصل إلى أعتاب التدمير الكامل لغزة، والإبادة العشوائية للفلسطينيين، ودفع المنطقة نحو حافة وضع قابل لانفلات كبير.

إسرائيل أعلنت أن هدفها إبادة «حماس» تماماً، وتدمير قدراتها العسكرية، وإنهاء سيطرتها وحكمها في القطاع، لكن ما تقوم به الآن يتجاوز ذلك إلى العقاب الجماعي لغزة، ومحاولة تهجير سكانها ودفعهم للنزوح نحو مصر كما عبّر عن ذلك صراحة متحدث عسكري إسرائيلي. فهناك جهات كثيرة في إسرائيل، وبشكل خاص في أوساط اليمين المتطرف، تعمل لتصفية القضية الفلسطينية، وخلق نكبة جديدة، وتراودها أفكار الدفع بمشروع الوطن البديل في سيناء وفي الأردن، أو في أي مكان آخر حتى ولو بفتح أبواب الهجرة لهم في أميركا.

هذه الأفكار لن تكون حلاً كما تتمنى أطراف في إسرائيل، بل ستأتي بنتائج عكسية وستقود إلى مزيد من التأجيج للأوضاع في المنطقة. فإذا تمكنت الآلة العسكرية الإسرائيلية الضخمة من تدمير قدرات «حماس» والحركات المتحالفة معها، وقامت بتصفية قياداتها الميدانية، فإن الفراغ سيملأه آخرون ربما يكونون أكثر تشدداً لأنهم نتاج الفظائع التي ترتكب اليوم، والأوضاع المزرية التي تعيشها غزة منذ فترة طويلة.

أما إذا فكرت إسرائيل في احتلال الجزء الشمالي من القطاع بدعوى إنشاء منطقة عازلة أو حزام آمن، أو تحت أي اسم آخر، فإن العواقب ستكون وخيمة، وقد سارع كثيرون لتحذيرها من الإقدام عليها. حتى الرئيس جو بايدن، الذي دعم حق إسرائيل في الرد بلا قيود، سارع إلى تحذير نتنياهو من أن أي تفكير في احتلال غزة سيكون خطأ كبيراً. هذا التحذير لم يأتِ من فراغ، وأميركا لديها بالتأكيد معلومات، وحضور رئيسها إلى المنطقة وزيارته لإسرائيل التي كان يفترض أن تعقبها القمة الرباعية الملغاة، دليل على أنها، أي أميركا، على الرغم من تأييدها المطلق لحق إسرائيل في الرد، فإنها لا تريد خطوات تدفع الأمور نحو منعطف أخطر يمكن أن يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتوسيع رقعتها، والمزيد من التعقيد في قضية الشرق الأوسط المتشابكة الخيوط أصلاً.

إسرائيل ذاتها لو تأنت بالتفكير فإنها سوف تستذكر لماذا قرر أحد صقورها وهو آرييل شارون الانسحاب من غزة وفك الارتباط بها وإخراج المستوطنين اليهود منها، وفق تفكير أمني بحت بعدما وجد أن تكلفة البقاء في القطاع وتوفير الحراسة لأي بؤر استيطانية فيها، ستكون باهظة، ولن تخدم أمن إسرائيل.

أما أي توجه إسرائيلي لخلق نكبة جديدة وتهجير سكان غزة إلى سيناء، فإنه لن يواجه مقاومة فلسطينية، ورداً مصرياً قوياً وحازماً فحسب، بل سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتقويض معاهدات السلام السابقة، وآمال إحياء عملية السلام المتعثرة وربما وأدها تماماً لسنوات طويلة.

هذه الأوضاع الملتهبة لا تحتاج إلى خطاب ومواقف وسياسات تزيد في تأجيجها، لا سيما من حلفاء إسرائيل وأصدقائها في الغرب. فاستمرار دوامة العنف والقتل والدمار لن يؤدي إلى تحقيق أمن إسرائيل. السلام وحده يمكن أن يحقق ذلك، وهو ما يتطلب إنهاء تجاهل المجتمع الدولي معاناة الفلسطينيين المستمرة والمتفاقمة، وإنهاء التهميش الحاصل الآن لقضيتهم، وتوجيه الجهود نحو تحريك العملية السلمية المعطلة منذ فترة طويلة، وهو ما يمكن لإدارة بايدن أن تقوم بدور كبير فيه لو أرادت، بدلاً من دعمها غير المشروط لنتنياهو الذي ترتفع أصوات قوية في إسرائيل لتنحيته بوصفه غير صالح للقيادة، لأنه يريد إنقاذ نفسه من ورطة الفشل الاستخباراتي الكبير في ظل حكومته، ومن ورطاته السابقة التي تهدد بإرساله إلى السجن.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

خطاب التأجيج وخطاب السلام خطاب التأجيج وخطاب السلام



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة

GMT 04:49 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

حكيمي وصلاح ضمن المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم

GMT 03:05 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الغالبية المتحركة وضعف الأحزاب التقليدية المصرية

GMT 19:48 2016 الأربعاء ,28 كانون الأول / ديسمبر

عجوز ترتدى فستان زفافها في الإسكندرية وتحجز قاعة فرح

GMT 04:06 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

نادي يوفنتوس يبحث عن وسيلة للتعاقد مع باولو ديبالا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt