توقيت القاهرة المحلي 15:59:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي

  مصر اليوم -

إثيوبيا والسودان تشابكات الحرب والأمن الإقليمي

بقلم: عثمان ميرغني

ثلاثة مؤشرات مهمة يمكن استخلاصها من التقرير الاستقصائي الذي نشرته وكالة «رويترز» وحوى تفاصيل دقيقة مزودة بصور الأقمار الاصطناعية عن قاعدة إسناد عسكري متكاملة بما فيها مطار، ومركز تحكم للطائرات المسيّرة، ومركز تدريب لآلاف المقاتلين من «قوات الدعم السريع» والمرتزقة، مع طرق إمداد من أرض الصومال.

المؤشر الأول هو محاولة إشعال جبهة جديدة في حرب السودان بعد التقدم الكبير الذي حققه الجيش والقوات المساندة في المحور الغربي، وتحديداً في كردفان. أمّا الثاني فيتعلق بطموحات إثيوبيا المدعومة من أطراف خارجية لإعادة رسم موازين القوة في الإقليم، ارتباطاً بملف المياه وسد النهضة، والمطامع في أراضي منطقة الفشقة الزراعية السودانية، وسعي حكومة آبي أحمد للوصول إلى منفذ بحري سواء عبر ميناء بربرة في أرض الصومال أو ميناء عصب الإريتري. أما المؤشر الثالث فيكمن في محاولة الحكومة الإثيوبية الهروب إلى الأمام من مشكلاتها الداخلية في ظل التوترات مع إقليم تيغراي واستمرار الصراع في إقليم أمهرة مع جبهة «فانو»، وكذلك في إقليم الأورومو، حيث تتواصل المواجهات.

تقرير «رويترز» قدّم بالأدلة والصور وشهادات 15 مصدراً، تفصيلات دقيقة عن تشييد القاعدة والجهة الممولة وعمليات التدريب التي تتم فيها. كل ما ورد في التقرير يؤكد ما رصدته الاستخبارات السودانية منذ العام الماضي وتسرب بعضه في تقارير أو من خلال التحذيرات التي وجهها الفريق البرهان من مغبة محاولات دول مجاورة تأجيج الحرب. وبعدها حرك الجيش السوداني قوات كبيرة إلى محور النيل الأزرق مستبقاً التصعيد المتوقع وهو ما مكّنه من دحر الهجمات التي شنتها منذ مطلع العام الحالي «قوات الدعم السريع» بالتحالف مع الحركة الشعبية (جناح عبد العزيز الحلو) في تلك المنطقة.

وعلى الرغم من أن التقرير يؤكد أبعاد التورط الخارجي في حرب السودان، ومخطط بعض الجهات لإطالة أمدها، ونشر الفوضى بكل ما يعنيه ذلك من تداعيات لدول المنطقة وأمن البحر الأحمر، فالحقيقة أن التورط الإثيوبي ليس جديداً، وإن أخذ الآن أبعاداً أكبر وأخطر.

منذ بداية الحرب كانت لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مواقف تعكس ارتباطه بالمخطط الخارجي الداعم للحرب ولـ«قوات الدعم السريع». فخلال قمة دول الهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد» في يوليو (تموز) 2023، أي بعد ثلاثة أشهر على الحرب، أدلى بتصريحات قال فيها إن السودان يعاني «من فراغ في القيادة»، داعياً إلى فرض حظر طيران وتدخل قوات دولية.

لم يكن ذلك الموقف الوحيد من رئيس الوزراء الإثيوبي، إذ إنه استقبل في ديسمبر (كانون الأول) 2023، قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي كان يقوم بجولة صممت لمحاولة منحه شرعية كزعيم محتمل في الوقت الذي كانت فيه قواته تتمدد. فقد استُقبل حميدتي بمراسم رسمية وحرس الشرف في أديس أبابا، وحرص آبي أحمد بشكل مدروس على نشر صور للقائه مع حميدتي والوفد المرافق له حول مائدة طعام.

تلك المواقف القديمة كشفت مبكراً المسار الذي تتبناه حكومة آبي أحمد إزاء حرب السودان. فما كان تلميحاً في 2023 أصبح تصعيداً خطيراً في 2026؛ حيث تبرز المؤشرات على أن إثيوبيا ستصبح المركز اللوجيستي الأهم لدعم «قوات الدعم السريع» وحلفائها السياسيين، وذلك بعد التطورات التي حدت بدرجة كبيرة من تدفق إمدادات السلاح عبر تشاد وليبيا.

ما أبعاد هذه التطورات؟

لا يمكن فصل عمليات إمداد «قوات الدعم السريع» بالسلاح والمرتزقة وتشييد قاعدة إسناد في إثيوبيا من المخططات الأخرى للتطويق وإثارة الفوضى والاضطرابات في المنطقة من باب المندب إلى البحر الأحمر. فإثيوبيا تعمل على ثلاث جبهات متوازية وتجد الدعم من أطراف خارجية لا تريد تعزيز نفوذ أديس أبابا في القرن الأفريقي فحسب، بل تنظر أبعد من ذلك إذا وضعنا الأمر في سياقه الإقليمي الأوسع وتداعياته على الأمن القومي في المنطقة.

إضافة إلى جبهة السودان، هناك تحركات إثيوبية تجاه كيان «جمهورية أرض الصومال»؛ حيث وقعت اتفاقاً مع رئيسه للحصول على منفذ بحري وبناء قاعدة عسكرية مقابل الاعتراف الدبلوماسي، وهو ما أثار توتراً شديداً مع الحكومة الصومالية. وارتفعت حدة التوتر بعد دخول إسرائيل على الخط واعترافها بأرض الصومال، مع كل ما يعنيه ذلك للأمن الإقليمي.

سعي إثيوبيا إلى منفذ بحري يقف أيضاً وراء التوترات المتزايدة مع إريتريا، واتهامها مرة بأنها تحتل أراضي إثيوبية، ومرة بأنها تدعم الحركات المناوئة للنظام، في حين أن أديس أبابا كانت تحاول في الوقت ذاته المقايضة للحصول على منفذ بحري، وعينها على ميناء عصب الإريتري.

يضع تقرير «رويترز» حرب السودان في قلب هذا المشهد المعقد والمتشابك، الذي تعبث فيه أطراف تريد زعزعة استقرار المنطقة وإعادة خلط التوازنات فيها من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر.

وما دام هذا المخطط أصبح واضحاً وموثقاً، فإن المرحلة المقبلة مرشحة لتحركات متسارعة لاحتوائه وتفكيكه، ليس دعماً للسودان وحده، بل حماية لأمن الإقليم بأسره مما يحاك ضده.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إثيوبيا والسودان تشابكات الحرب والأمن الإقليمي إثيوبيا والسودان تشابكات الحرب والأمن الإقليمي



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt